وزير العزلة

أمجد المنيف

نشر في: آخر تحديث:

الشيء الأهم، الذي نحاول أن نتجاهله عند عرض تأثيرات التقنية، وتحديدا الشبكات الاجتماعية على حياتنا، هو تغيير السلوكيات والتأثير على أنماط الحياة.. والاكتفاء غالبا بالحديث عن الأبعاد الاقتصادية والسياسية والحريات، والإعلامية أحيانا.

شخصيا، أؤمن أن الشبكات الاجتماعية غيرت في تعاطي الناس، كل الناس، مع كل الناس، وتبدلت مفاهيم كثيرة، كما تمت إعادة ترتيب الأولويات. النقطة الأبرز، هو الانكفاء أكثر حول الحياة الافتراضية، وتجاهل العالم الحقيقي.

ما الذي جاء بهذه الفكرة لتكون مقالتي؟ الإجابة: لأن الحكومة البريطانية عينت وزيرة لمن يشعرون بالعزلة.. تقول الـ BBC عن الخبر: «قد تبدو هذه دعابة للبعض، لكن الشعور بالعزلة أمر خطير في بريطانيا، وكلفت وزارة العزلة بمعالجة هذه الأزمة الخطيرة. الحكومة تعتقد أن تسعة ملايين شخص في المملكة المتحدة يعانون من العزلة، وقد تؤدي إلى مشاكل نفسية وأكثر من ذلك.. تفيد دراسات بأن الشعور بالوحدة قد يفضي للوفاة، وساوت دراسة أجريت عام 2017 بينها وبين تدخين 15 سيجارة في اليوم. يقدر أن نصف الذين يبلغون من العمر 75 عاما أو أكثر يعيشون بمفردهم في بريطانيا».

ليس هذا وحسب، بل «يقول كثير منهم إنه قد تمر عليهم أيام أو حتى أسابيع دون أن يتواصلوا مع أحد، والشعور بالوحدة يؤثر أيضا على الشباب. بين عامي 1972 و2008 تضاعفت نسبة المنازل في المملكة المتحدة التي يشغلها شخص واحد. قد يكون هذا الجيل الناشئ أكثر استقلالية ماليا ولكنهم قد يعانون أكثر من العزلة»

علميا، وجدت دراسة عام 2014 في الاتحاد الأوروبي أن البريطانيين سيكونون أقل الناس معرفة بجيرانهم أو تكوينا لعلاقات صداقة قوية، بينما تصدرت قبرص القائمة على الجانب الآخر من أوروبا.

ولأني أعتقد بمسؤولية الشبكات الاجتماعية، بالدرجة الأولى عن هذا، وتحديدا في السنوات الأخيرة، تذكرت دراسات سابقة حول نفس الأمر مرت بي، ورحت أحرث وأبحث عنها.. ووجدت أن دراسة حديثة (نشرت في المجلة الأميركية للطب الوقائي) تقول إن المستخدمين الذين يقضون أوقاتا طويلة في مواقع التواصل الاجتماعي، يعبرون عن شعور متزايد بالعزلة الاجتماعية.

وكانت قد أرجعت كثير من الدراسات قضاء المزيد من الوقت في استخدام مواقع التواصل الاجتماعي إلى: الاكتئاب على نحو ما، وتزايد الشعور بالغيرة، وانخفاض تقدير الذات، والشعور بالنقص والدونية.

أظن أن الأمر لم يأخذ اهتمامه الذي يجب، لدينا على أقل تقدير، ما يوجب العمل على الأبحاث والدراسات النفسية والاجتماعية في الجامعات، والمراكز المتخصصة ذات العلاقة، من أجل الوصول لبعض النتائج التي قد تساهم إيجابا في التعاطي مع الحياة الحديثة.

لفت انتباهي سؤال تركه الباحثون في إحدى الدراسات، وقالوا إنه سيساعد - إلى حد ما - في فهم المشكلة، متمثل في: هل الشباب يلجؤون لوسائل التواصل الاجتماعي بسبب شعورهم بالوحدة.. أم أن كثرة ترددهم على هذه الوسائل هو الذي يؤدي لعزلتهم وشعورهم بالوحدة؟! والسلام.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.