عاجل

البث المباشر

زياد آل الشيخ

<p>كاتب اقتصادي سعودي</p>

كاتب اقتصادي سعودي

الحكومة المتكاملة

كنت تحدثت في المقالات السابقة عن مفهوم الشراكة الذي دعا إليه وزير الخدمة المدنية ويتبناه في خطة تحول وزارته، غير أني ذكرت أن الشراكة وحدها لا تكفي. لنجاح الشراكة لابد من تبني مفهوم جديد لآليات العمل الحكومي، نجد بعضه ممارساً اليوم من خلال برامج رؤية 2030. والمبادرة التي يقوم بها وزير ما نحو الشراكة لابد أن تعامل بالمثل من الشركاء الآخرين، ليس فقط على مستوى القيادات، بل على مستوى الوكلاء ومديري العموم. أي أن على مفهوم الشراكة أن يصبح من عادات العمل اليومي لكل من الأطراف ذات العلاقة.

ماذا نتوقع من الوزارات فعله لتمكين أفرادها من تحقيق الشراكة بالمعنى العميق؟ إنّ من أسس العمل الحكومي الذي نعرفه هو مفهوم نطاق العمل، أو الاختصاص. ومفهوم الاختصاص إذا طبق بحذافيره كما يطبق في كثير من الحالات يؤدي إلى الانعزال. فمفهوم الاختصاص غالباً ما يتعارض مع مفهوم الشراكة. ونتيجة لذلك، تقوم وزارة ما بممارسة اختصاصها نظامياً دون أن تلام، ولا تجد غضاضة من أن تؤدي مهامها دون الرجوع إلى جهة أخرى. إذا كان مفهوم الاختصاص بهذا المعنى، سنجد صعوبة في تطبيق الشراكة إلا على مستوى روتيني، سطحي، تلبية لرغبة وقتية. لكن لتحقيق الشراكة لابد من خلق آليات جديدة للعمل الحكومي تكون الشراكة فيه عنصراً أساسياً. بمعنى آخر، لابد من إزاحة مفهوم الاختصاص الذي يرتكز على الفردانية واستبداله بآليات العمل (العمليات). المقصود بآليات العمل هو الاتفاق على حل تشارك فيه الجهات من خلال خطوات أو مهمات تكلف بتنفيذها، ويكون الاتفاق على هذه الآليات والخطوات التنفيذية بالمشاركة والمفاوضات.

تجربة العمل الحكومي المشترك نفذت في عدد من الدول منها أستراليا. التجربة الأسترالية جديرة بالدارسة، حيث قامت الحكومة الأسترالية بإطلاق مبادرة (الحكومة المتكاملة). ويقصد بالحكومة المتكاملة هو عمل الحكومة من خلال محافظ للخدمات لا تنتمي إلى جهة محددة بل يشترك في قيادتها وتخطيطها وتنفيذها عدد من الجهات. مفهوم المشاركة الذي تقوم عليه هذه المبادرة يتجاوز العلاقة التشاورية المعتادة التي يمكن أن توصف بالوقتية. العلاقة التشاورية هذه تبنى في المرحلة الأولى من التخطيط، أما مبادرة الحكومة المتكاملة فتتجاوز التخطيط إلى التنفيذ. رؤية 2030 تقوم على تنفيذ مبادرات استراتيجية تنبثق منها مشروعات تتولاها جهة واحدة عادة، أما في حالة الحكومة المتكاملة في التجربة الأسترالية فالتنفيذ يختص بالخدمات وليس المشروعات. في المقالة القادمة سأعرض التجربة الأسترالية مع توضيح الفرق بين العمل التشاركي الذي تنفذه الجهات اليوم في برامج رؤية 2030 وما ينفذ اليوم خارج نطاق المبادرات، أي العمليات والخدمات. إن ما يتضح من التوجه الجديد الذي تقوم به عدد من الدول في تعميق العمل التشاركي هو إعادة هندسة الإجراءات والتعاون في التنفيذ في جميع المراحل. وما زال للحديث بقية.

نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات