زيارة ولي العهد لأمريكا: تحالفات الكبار

محمد خضر عريف

نشر في: آخر تحديث:

تأتي زيارة ولي العهد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان للولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر زيارة تاريخية دون شك، لتؤكد جملة من الحقائق الثابتة: منها أنها زيارة مسؤول كبير في دولة كبيرة لدولة كبيرة أخرى، فكما يشير إليه الكثير من المراقبين، وكما أشرت إليه في مقالات سابقة: تعتبر أمريكا ولاشك زعيمة العالم الحر، وتعتبر المملكة العربية السعودية زعيمة العالم الإسلامي الذي يشمل بالطبع العالم العربي، ويتعامل المسؤولون الأمريكيون مع المملكة على هذا الأساس، خلاف تعاملهم مع دول أخرى عربية أو إسلامية أو شرقية أو غربية، إذ يغلب أن تسعى دول كثيرة إلى تحقيق مصالح سياسية أو مالية أو لوجستية من أمريكا في تعاملها معها بشكل عام، ويكون ذلك في اتجاه واحد، أما في تعامل المملكة مع أمريكا فيكون اتجاه المصالح في اتجاهين، ويحقق تطلعات الطرفين، وذلك باعتراف رأس السلطة في أمريكا، وكما نوه عنه بصراحة تامة سمو ولي العهد حين تحدث مثلاً عن ملايين الوظائف التي ستوجدها الاتفاقيات المشتركة بين الدولتين الكبيرتين للأمريكيين، وفي الوقت نفسه بالطبع ستوجد الاستثمارات وتوطين التكنولوجيا ونشوء قطاعات أعمال جديدة بما فيها الترفيه والسياحة والطاقة المتجددة والتصنيع الدفاعي وسوى ذلك كثير، سيوجد كل ذلك فرص عمل جديدة وبأعداد غير مسبوقة للسعوديين.

ومن الحقائق الثابتة أيضاً المتعلقة بهذه الزيارة أن الاتفاقات والتحالفات المبرمة بين البلدين ليست مرتبطة بأشخاص أو قيادات بعينها -كما يظن بعض الغافلين- فالدولة الأقوى في العالم دولة مؤسسات، ولا تتغير فيها القوانين أو تلغى الاتفاقيات بتغير أصحاب القرار كما يكفله الدستور، والشيء نفسه ثابت في أرض الحرمين التي تلتزم بدستور واحد هو القرآن الكريم وقادتها على مدى يزيد عن مائة عام عند عهودهم ومواثيقهم، وذلك يبعث على الشعور بالأمان إزاء هذه التحالفات الكبرى وهذه الاستثمارات الهائلة. وحقيقة ثابتة ثالثة أن المملكة وأمريكا حليفتان وثيقتان تربطهما شراكات أمنية واقتصادية ثنائية قوية منذ مطلع الأربعينيات من القرن الماضي وتحديداً منذ عهد الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن رحمه الله، وقد سبقت المملكة بذلك كل الدول العربية إن لم يكن الإسلامية أيضاً بتوثيق هذه الصلات وتثبيت هذه التحالفات مع أمريكا التي ما كانت إبان الحرب العالمية الثانية القوة الأعظم في العالم بعد، ولا تنافس وقتها دولاً أوروبية عدة مثل: ألمانيا وبريطانيا، أو حتى الروس، لذا فإن التقارب بين الدولتين وثّقه التاريخ، وازداد عبر عشرات السنين، وكأي علاقة بين دولتين قويتين، قد تتعرض تلك العلاقة إلى مد وجزر ولكن سرعان ما تعود إلى طبيعتها، ورغم تغير السياسة الأمريكية تجاه عدد كبير من حلفائها خلال قرن مضى، إلا أن سياستها تجاه علاقتها بالمملكة ظلت ثابتة وستبقى مهما طال الزمن إن شاء الله. وكانت الرؤى المشتركة متقاربة ومتطابقة على الدوام في كثير من القضايا الكبرى في العالم، كما يتضح في هذه الزيارة الموفقة بجلاء، وتمثل ذلك في السعي للتصدي لنوايا إيران التوسعية ومكافحة الإرهاب والتطرف وسوى ذلك من القضايا التي لا يختلف عليها البلدان. فقد حققت هذه الزيارة الكثير من التطلعات المشتركة، خصوصاً ما حققته جولة سمو ولي العهد في الساحل الغربي الأمريكي في مجالات التقنية والاقتصاد المعرفي من خلال لقاءات المسؤولين السعوديين وعلى رأسهم سمو ولي العهد مع كبار المسؤولين التنفيذيين في الشركات الرائدة في التكنولوجيا والاقتصاد المعرفي بما يتفق ويحقق أهداف رؤية 2030 من خلال التعاون في المجالات التقنية مع أهم مصادرها العالمية. إضافة إلى لقاءات سموه مع قيادات شركات النفط والطاقة الأمريكيين لبحث تطوير الطاقة البديلة بالتعاون بين البلدين. هي تحالفات واتفاقات الكبار دون أدنى شك وستعود على البلدين الصديقين بالخير العميم بعون الله وتوفيقه.

*نقلا عن صحيفة "المدينة".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.