عاجل

البث المباشر

ملحة عبدالله: المسرح السعودي لا يزال يعتمد على الهواية

المصدر: العربية.نت - مريم الجابر

استطاعت ملحة عبدالله، وضع اسمها كسيدة المسرح السعودي، نظير سيرتها الذاتية المليئة بالإنجازات والجهود الفردية، والتي تتميز بالشمولية وبُعد النظر، وربما فاقت إنجاز الكثير من المؤسسات الثقافية، وهي بذلك تعد نموذجاً للأديبة العربية، بما ضمت من فكر وإبداع في مجال المسرح والنقد الأدبي والعمل الثقافي، لتكون بذلك وجهاً مشرقاً للمرأة السعودية.

وفي حديث "العربية.نت"، حيث دار النقاش حول معرفة رؤيتها في المسرح السعودي الحالي، وماذا يعيقه ليواكب المسارح الأخرى عالمياً، أوضحت عبدالله قائلة: "الفرق كبير بين المسرح السعودي والمسرح في السعودية، علينا أن ندرك ذلك! فالمسرح السعودي يناقش قضاياه الاجتماعية، فهو مسرح اجتماعي من الدرجة الأولى، عن طريق الكوميديا، ذلك لأن الجمهور السعودي يجنح للكوميديا، ولم يتعود على المسرح التراجيدي، نظراً لمفهوم المسرح عنده بأنه يستدر الضحك".

وتابعت: "لقد كتبنا كثيراً في هذا الشأن، وأن المسرح هدفه الأول المتعة، حتى وإن كان هناك تراجيديا فلا مكان لمسرح الضحك. ولدينا كتاب كبار تعرض لهم نصوص خارج السعودية، إلا أن البحث عن المسرح الضاحك، قد يقلل من جدية المسرح في السعودية، لأن المسرحية الكوميدية دائماً ما تلعب على النمطية في الشخصيات والصراع، وبالتالي لا يكون هناك عمق في الفكر، الذي يتجلى في الصراع والبناء والتجسيد ونحت الشخصيات. أما المسرح في السعودية فلا علاقة له بالمسرح السعودي سوى العامل التجاري فقط، في حين أن المسرح السعودي لا يزال يعتمد على الهواية، ولا يوجد احتراف، وقد طالبنا بالاحتراف في المسرح لكي يتفرغ المسرحيون للمسرح، لأن المسرح يحتاج إلى تفرغ ودراسة".

تسليع المسرح السعودي

واستطردت عبدالله الحديث: "بالرغم من كل هذا.. توجد لدينا مسرحيات هادفة، لكن الاحتراف والتفرغ والتمويل يشكل عقبة، فيجب أن لا يكون المسرح تجارياً ويهدف للربح فقط، بل يجب أن يكون خدمة عامة، ولا مكان للنظر لشباك التذاكر، فلا يعقل أن تفتح المسرحية يومين أو ثلاثة لأن الإقبال ضعيف، فالمسرح أصبح ذو تكاليف مرتفعة، وأنا أعرف رجال أعمال تراجعوا عن إنتاج بعض المسرحيات خوفاً من الخسارة. وعليه يجب أن يكون المسرح مسرحاً حكومياً لا مسرحاً تجارياً خاصاً، يبحث عن التسويق والتجارة والربح، فالمسرح لا يعرض نفسه في شباك التذاكر، وتسليع الفكر والمسرح كارثة كبيرة في المسرح السعودي أو في المسرح في السعودية. إنها مشكلة كبيرة".

وعن حلمها بوجود هيئة إدارية تنظم عمل المسرح المحلي قالت: "لا بد أن يكون المسرح مسرح دولة له شخصية الدولة نفسها والشخصية السعودية ذاتها التي لها تفرد كبير، فجمعية الثقافة والفنون تحاول أن تلعب هذا الدور، إلا أن ميزانيات المسرح أكبر بكثير من طاقات جمعية الثقافة والفنون، ففي ضوء تطور ثقافة الصورة وما تتطلبه من تقنيات وإبهار، لا يمكن أن تتحمله جمعية الثقافة والفنون وحدها. وبالرغم من كل هذا هناك نشاط مسرحي وتواجد عالمي ومحلي، وجوائز تحصد بالجهود الذاتية والهواية".

البعد الخامس

وأضافت عبدالله أن "التنظير يعقب الطرح والكتابة، لذا فنظرية البعد الخامس تبحث عن مواطن المتعة والبهجة وكيفية إنتاجها من خلال ما قدمه تراثنا العربي، الذي يشكل هوية عربية لمسرح عربي، كما أنها تبحر في علم نفس التلقي والوصول لمكمن الوجدان سواء كانت نصوصا سابقة أو لاحقة. ومسرحيتي "أم الفاس" هي الأقرب للبعد الخامس، وقد قدمها أكثر من مخرج على مستوى المسرح العربي، وحصل النص على جائزة أبها الثقافية".

وأوضحت أن "البعد الخامس يكمن في التراث وفي البعد السحري كواقعية سحرية، وأغلب أعمالي تكتنف هذا النوع من المسرح، والذي سبق وعرض لي أكثر من 45 عرضاً مسرحياً على مستوى المسرح العربي وبعض الدول الأجنبية، خاصة "العازفة" وبعض المسرحيات المترجمة، لذلك لا تبحث النظرية عما يجب أن يكون، بقدر ما تبحث فيما هو كائن للحصول على المتعة، وقد كرمتني عليها الأمم المتحدة، ومنحتني عليها الدكتوراه الفخرية المزدوجة سواء "البعد الخامس" أو خدمة السلام العالمي ومحاربة الإرهاب".

واقع المسرح اليوم

كذلك شددت ملحة على أن "هذه الأيام ظهر لنا مسرح الترفيه، وهو رافد جديد، وأعتقد أنه يعتمد على الاحتراف لسبب هام، وهو أنه مسرح وافد (عروض نستقدمها من الخارج) وبالتالي نستطيع أن نطلق عليه المسرح في السعودية وليس المسرح السعودي لأسباب كثيرة يعلمها متخصصي المسرح! فبالرغم من فوائده الكثيرة في الترفيه أو نقل الخبرات، إلا أنه يجب أن نهتم ببناء مسرح سعودي ذو شأن حرفي وترفيهي، فأسوأ فترات المسرح الروماني هي فترة استقدام المسرح اليوناني ومبدعيه، لذا يجب أن نتعلم من تاريخ فني المسرح عبر العصور".

وأضافت: "أتمنى ألا يطول تجنيب المسرحيين السعوديين عن الفعل المسرحي والاهتمام بالاستقدام، وقد سبق وأن كتبت مقالاً بهذا الصدد في جريدة الرياض تحت عنوان "المسرح السعودي يشعر بالحزن"، مع كل التقدير لما تقوم به هيئة الترفيه في الساحة الفنية، فالمسرح السعودي لن يقوم إلا بأيدي أبنائه مهما طال الزمن، وذلك لشدة خصوصية الانعكاس للفعل الفني، والتاريخ يعتمد على ذلك وسوف يكتب التاريخ ما هو مستوفد وما هو محلي، كما درسناها في كتب تاريخ الفن منذ ما قبل الميلاد، فلا بد أن نخشى التاريخ لأنه لا يرحم".

المسرح السعودي والمصري

المسرح السعودي ومقارنته بالمسرح المصري حديث طال نقاشه، حيث قالت عبدالله إنه "لا بد أن نقارن بين الاحتراف والهواية والفرق كبير، كما أن المسرح المصري مسرح دولة، ونجح في تقليص مسرح القطاع الخاص الذي كاد أن يفسد المسرح المصري، بينما نحن نفتح الأبواب لمسرح القطاع الخاص، وهذا خطر على المسرح بصفة عامة، لأنه يبحث عن الربح، فتتقوض أركان اللعبة المسرحية بجمالياتها العلمية والمهنية كما يقول العلم الأكاديمي، وإذا نظرنا إلى المسرح المصري لوجدناه يتبع وزارة الثقافة لأنه رأس القائمة الثقافية ورأس القوة الناعمة، وبالتالي توليه الدولة اهتماماً كبيراً سواء على المستوى المادي أو على المستوى المهني، ولا توجد مقارنة بين مسرح حرفي مؤسسي، ومسرح يعتمد على الهواية والجهود الذاتية، أما على مستوى العرض المسرحي، فكما أن هناك عروضاً مسرحية مصرية رائعة، توجد عروض مسرحية سعودية رائعة أيضاً، أثبتت وجودها في الساحة الدولية والإقليمية وحازت على جوائز وشاركت في مهرجات، بالرغم من اعتمادها على الهواة، وبالرغم من عدم الاحتراف، وأعني بالاحتراف هنا هو الكادر الوظيفي لكل فرد اشتغل بالمسرح".

وعند سؤالها لماذا لم يعرض لها سوى مسرحيات قليلة بالسعودية، أجابت: "في هذا العام والعام المنصرم قدمت لي السعودية أكثر من سبعة عروض، حصل بعضها على جوائز، ولن يتسع المقام لذكر هذه العروض، أنا فخورة بقيام المسرح السعودي بإنتاج نصوصي وعرضها في المهرجانات والاحتفالات الوطنية، كما أن عرض افتتاح المهرجان الأول لسوق عكاظ الدولي كان من تأليفي وهو عرض (داعية السلام)، وشارك فيه نجوم الوطن العربي، ثم قامت الوزارة السعودية بنشر النص ضمن مجموعة من النصوص في مجلد كبير بعنوان (داعية السلام ومسرحيات أخرى) ونوهت الوزارة لهذا في بداية الكتاب، وأيضاً نص غول المغول، وهو نص تاريخي عن سقوط آخر خلافة إسلامية في بغداد على يد المغول، وفاز بجائزة أحسن نص في مسابقة وزارة الثقافة والإعلام السعودية للكتاب عام 2013، كما نشرته وزارة الثقافة المصرية في جريدة مسرحنا".

أفكار المسرحيات

ولفتت عبدالله: "لا أكتب لحقبة بعينها، لأن النص الجيد لا بد أن يكون صالحاً لكل زمان ومكان، فأنا أكتب مسرحا إنسانيا أغلبه واقعية السحرية، لذا حصلت العازفة على جائزة دولية، فالعالم وهو حصيرة مسرحي، لأن بلدي لا ينفصل عن العالم، من ناحية القضايا المطروحة، لكن مكامن النص في يد النقاد! والآن أكتب خمس نصوص - جاري الانتهاء منها - ومشاريع جديدة تعكس هذه المرحلة التي تعيشها السعودية، وتتماشى معها، وجاري التفاوض مع اثنتين من شركات الإنتاج، وهناك أفكار لمشاريع مسرحية قدمتها لهيئة الترفيه لتؤسس لمسرح جديد يحمل صورة السعودية الجديدة".

وأضافت: "كوني أعيش في مصر، فلك أن تتصوري أنني أعيش في السعودية بكل ما فيها وكل مالها، فالفضاء الإلكتروني حقق لنا هذا الاندماج، الانتقال بالجسد لا يشكل عائقاً من عدمه، وبيتي وأولادي في السعودية، أنا فيها ولم أبتعد عنها بالفكر والقلم والعطاء والمشاركة والانتماء وكل ما يخطر على بالك".

أنا وجيلي رسمنا الخطى

وأبانت عبدالله: "ما كنت أتمناه فقد رسمت أنا وجيلي هذه الخطى، التي بدأت تتحقق لهذا الجيل، فنحن الجسر لعبور الأجيال القادمة والحالية، وعلى سبيل المثال عندما كتبت مسرحية التميمة، وهي كانت تناقش مشكلة البطاقة التي كانت تسلب المرأة أهليتها، وحصلت على جوائز وتحققت بعدها إعطاء المرأة حق البطاقة الشخصية، كثير من القضايا التي كتبتها في أعمالي سواء دراسات أو مسرحيات أو حتى مقالات تتحقق الآن بحمد الله، وبفضل استنارة حكومتنا المستجيبة لتطلعاتنا لكن لا زال هناك الكثير".

وأضافت: "أنا ابنة جيل عاصر ما قبل التقنية وما بعدها! وأحب أن أقول إنها فتحت لنا آفاقاً كبيرة لم نكن نحصل عليها من قبل، فنحن جيل كان يحفر في الصخرة، والتقنية الآن هي نعمة من الله عز وجل وهبة لهذه الأجيال لا يعرف قيمتها إلا من عايش العناء قبلها، وما حققته لنا من هذا الاندماج والتمازج، لكن الكتاب بين يديك له أهميته الخاصة التي لا غنى عنها حين يأخذ وضع المرضعة، فتتسرب منه طاقة خفية لا أجدها في الكتاب الإلكتروني، لذا لدي مكتبة بها 4000 كتاب، يكفيني أن أجلس فيها كل يوم عددا من الساعات. أعتقد أن هناك طاقة خفية تتسرب لي حينها".

وحول المفارقات بحياتها قالت: "المفارقة الكبرى عنما دخلت أكاديمية الفنون كأول سعودية تدرس المسرح، في الوقت الذي يرى فيه الكل أن المسرح مكان للهو والترفيه، وأنا أرى فيه علوم التاريخ والجغرافيا والفلسفة وعلوم الاجتماع والتراث والإعلام، وكل ما يعنيه بناء مفكر في كلمة واحدة، وانكشفت المفارقة بعد هذا الصراع التراجيدي، أنني كنت على حق ونرى الآن كيف تطور المفهوم".

إعلانات