أقنعة داعش.. من "الراب" إلى "زمن كورونا"

نشر في: آخر تحديث:

أعلنت الأجهزة الأمنية الإسبانية، الثلاثاء، عن إلقائها القبض على 3 أشخاص مشتبه بانتمائهم لتنظيم "داعش" بعد مداهمتها لإحدى الشقق السكنية المستأجرة في مدينة "الميريا".

ولم تكشف الشرطة الإسبانية عن أسماء الرجال إلا أنها وصفت المشتبه به الرئيسي بأنه "أحد أهم المقاتلين الأجانب المطلوبين في أوروبا"، وقالت إنه "مواطن مصري".

ووفقا لمصدرين تحدثا لوكالة أنباء "أسوشييتد برس" فإن المشتبه به الرئيسي ليس إلا منفذ عملية قطع رأس الصحافي الأميركي "جيمس فولي"، وهو مغني الراب السابق من أصل مصري، عبدالمجيد عبدالباري (28 عاما)، الذي انضم إلى صفوف تنظيم "داعش" في سوريا في العام 2013 بعد مغادرته العاصمة بريطانية لندن، وعمره آنذاك 23 عاما.

وقال المتحدث باسم الشرطة إن المشتبه الرئيسي دخل إلى إسبانيا مؤخرا وبشكل غير قانوني قادما من شمال إفريقيا، دون تحديد الدولة، وبحسب الشرطة الإسبانية، فقد تم إلقاء القبض على الداعشي عبدالباري بعد تلقي الأجهزة الأمنية معلومات استخباراتية خلال محاولته العودة إلى البر الرئيسي في أوروبا، لتتمكن الأجهزة الأمنية من تتبعه بعد وصوله إلى محل إقامته في شقة سكنية مستأجرة.

وأضاف المتحدث: "قام الموقوفون بإخفاء هويتهم باستغلال حالة حظر التجول جراء جائحة كورونا، وإيجاد بعض طرق التحايل، وبشكل فردي، من ذلك ارتداء الأقنعة لتجنب التعرف عليهم وكشف هويتهم".

وتباشر السلطات الأمنية الإسبانية تحقيقاتها لتحديد هوية المعتقلين الآخرين والأسباب الرئيسية لتواجدهما في إسبانيا، وما إذا كان المشبه بهما الآخران مقاتلين في تنظيم "داعش" أو أنهما فقط متورطان في تقديم الدعم الأمني واللوجستي لعبدالباري وتسهيل دخوله إلى أوروبا.

ووفقا لما نشرته وسائل الإعلام الإسبانية والغربية، فقد تم استجواب الثلاثي يوم الثلاثاء، وكان من المقرر أن يمثل المتهمون أمام قاضي المحكمة الوطنية في مدريد الأربعاء.

ووفقا لما جاء في البيان الرسمي فإن "الرجل الذي يعتقد أنه عبدالباري كان في منطقة الصراع السوري - العراقي منذ عدة سنوات، وله ملف أمني مليء بالجرائم المرتكبة في ذلك الوقت، مشيرا إلى أن أنشطة عبد الباري مع تنظيم "داعش" كان قد فضحتها وسائل الإعلام، والتي تتضمن صورا لتورطه بارتكاب جرائم حرب".

وكان عبدالباري قد نشر صورة له على حسابه عبر موقع التواصل الاجتماعي "تويتر" في 2014 يحمل رأس جندي في النظام السوري، مع تعليق له قال فيه: "شلين مع صديقي، أو ما تبقى منه".

نشأ عبدالمجيد عبدالباري في مايدا فالي في لندن، وتعلم في المدارس البريطانية، بعد انتقال والدته "رجاء" إلى لندن في 1990، عقب منح والده المتطرف عادل عبدالمجيد عبدالباري المتهم في تفجير السفارتين الأميركيتين 1998 في نيروبي ودار السلام، حق اللجوء السياسي.

واشتهر الابن عبدالباري، مواليد بريطانيا، كنجم واعد جديد في غناء "الراب" باسم L Jinny الفني، قبل أن يتخلى عن اسمه الفني وغناء الراب ليظهر فجأة في 2013 كمقاتل في صفوف تنظيم "داعش" في سوريا، وذلك بإعلانه عبر حساب في "تويتر" غرد فيه قبل إغلاقه وقال: "سننتقم من الغرب الكافر، وسيفتح الله علينا البلاد الكافرة، ولن نهدأ حتى ينتصر الإسلام وتعلو راية الجهاد".

وحذر على "تويتر" في يونيو 2014 بأن "الصراع سينتقل إلى الغرب، والأسود قادمون إليكم أيها الكفار".

كما صور عبد المجيد نفسه وهو يرفع رأسا بشرية مقطوعة بيده في الرقة، وفي اليد الأخرى يرفع إصبعه بعلامة "التوحيد والشهادة"، وكذلك صور أخرى لرؤوس جنود سوريين على "درابزين معدني". وقاطع الرؤوس الجديد عبدالباري، قبل أن يغادر كتب أكثر من تغريدة بعد أن التحق بــ"داعش"، منها "يا ألله امنحنا الشهادة"، وأرسل صوره وهو يحمل الكلاشنيكوف تحت عبارة "جنود الله".

من جماعة الجهاد المصرية إلى القاعدة إلى تنظيم "داعش"

في تتبع سيرة والد الداعشي عبدالمجيد عبدالباري، يمكن تفسير تحول شاب من مغني "راب" في العاصمة البريطانية لندن إلى مقاتل "داعشي" في مدينة الرقة السورية، و"الموصل" العراقية، وأحد أتباع زعيم "داعش" السابق أبوبكر البغدادي.

فما كان من صور ظهر فيها الداعشي عبدالمجيد متباهيا فيها بحمل الرؤوس وتنفيذ عمليات النحر، إلا أنها تعد انعكاسا وترجمة للطريق الذي سلكه والده عادل عبدالباري منذ تنفيذ عملية اغتيال السادات 1981، حيث كان ضمن من تم القبض عليهم من عناصر جماعة الجهاد المصرية والجماعة الاسلامية.

سجن عادل عبدالباري في المرة الأولى من العام 1982-1985، وبعد خروجه أكمل دراسة القانون، وأسس مع رفيقه منتصر الزيات مكتبا للمحاماة.

تولى والد الداعشي عبدالمجيد عبدالباري، وبرفقة الزيات، مهام الدفاع عن قضايا الجماعات الإسلامية الراديكالية في مصر، والترافع عن عناصر جماعتي الجهاد والجماعة الإسلامية.

إلا أنه في العام 1990 قرر عادل عبدالباري الانتقال للعيش في بريطانيا التي استقر فيها مع أسرته، بعد حصوله على حق للجوء السياسي.

أسس في بريطانيا ما عرف بـ"مكتب الدفاع عن الشعب المصري"، الذي كان على اتصال مباشر مع منظمة "أمنستي انترناشيونال" (منظمة العفو الدولية)، وأصدر مجلة إسلامية حملت اسم "الدليل"، عنيت بترويج أدبيات الجماعات الراديكالية وعناصرها.

ليعود اسم عادل عبدالباري إلى قوائم الأمن المصرية بعد محاولة تفجير سوق خان الخليلي الشهير في مصر عام 1994، بغرض استهداف السياح الغربيين والأجانب، وصدر بحقه حكم بالإعدام غيابيا.

وفي العام 1998 صدر بحقه حكم بالأشغال الشاقة المؤبدة في قضية "العائدون من ألبانيا"، بعد أن كشف المتهم أحمد إبراهيم النجار القيادي في جماعة الجهاد، في اعترافات لأجهزة الأمن المصرية، تورط عادل عبدالباري بأنشطة جماعة الجهاد المصرية المتطرفة، من محل إقامته في العاصمة البريطانية لندن.

وقال النجار، المسؤول عن التنسيق لخلية خان الخليلي بتكليف من أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، وذلك خلال تواجده في مدينة صنعاء باليمن.

عادل عبدالباري تولى مساعدته لتهريبه من اليمن إلى الدول الأوروبية بإرسال مبلغ 1500 دولار أميركي، تمكن بعدها من تزوير جواز سفر انتقل به إلى ألبانيا، والتي استأنف منها عمله التنظيمي. ومن ألبانيا عادت اتصالات النجار لتتجدد مع قادة الجماعة في لندن ومع أيمن الظواهري.

وأضاف في محاضر التحقيقات أن الهارب صلاح شحاته يعد المسؤول عن جناح الأمن داخل التنظيم من خلال تأمين عضوية وحماية المعلومات والوثائق، أو ما يمكن تسميته بجهاز مخابرات الجماعة.

بالمقابل كان عادل عبدالباري مسؤول الجناح الاجتماعي للتنظيم ورعاية أعضائه داخل وخارج مصر وتوفير الأموال اللازمة للأعضاء سواء في حالة الرغبة للهروب أو تنفيذ العمليات.

بعد ذلك وعلى إثر الهجومين على السفارتين الأميركيتين في دار السلام ونيروبي في السابع من أغسطس 1998، وأسفرت عن مقتل 224 شخصا، وجهت الولايات المتحدة الأميركية الاتهام لعادل عبدالباري وطالبت الجهات البريطانية بتسليمه، لارتباطه بشبكة بن لادن في الخارج، ولعبه دورا في تفجيرات نيروبي ودار السلام، فبحسب التهم الموجهة إليه من قبل الادعاء الأميركي، تولى عبدالباري الاتصال من لندن بوسائل إعلام لتبني الاعتداءين باسم القاعدة متوعدا بهجمات مقبلة يشنها التنظيم وحلفاؤه، وقام يومها بترتيب إرسال هذا التبني إلى كل من أسامة بن لادن والظواهري.

وأفاد المدعون الأميركيون في ذلك الوقت بأن عبدالباري كان يقود في العامين 1997 و1998 خلية في لندن تتبع لحركة الجهاد الإسلامي المصرية التي قادها أيمن الظواهري لأعوام قبل أن يتزعم القاعدة.

وفي العام 1999 أوقفت أجهزة الأمن البريطانية عادل عبدالباري عقب حادثة اختطاف 16 من السياح الأوروبيين، ومقتل أربعة منهم (ثلاثة بريطانيين وأسترالي) في محافظة أبين اليمنية شرق عدن، ونفذها أبو حسن المحضار.

لتكشف العملية عن تورط عناصر من جماعة الجهاد المصرية في اليمن، في العمليات الإرهابية لتنظيم القاعدة في داخل اليمن وخارجه، وأسفرت عن اعتقال الأجهزة الأمنية اليمنية 8 مصريين يحملون الجنسية البريطانية والفرنسية، من بينهم أبو حمزة المصري، الذي كشف حينها عن أشرطة فيديو لتدرب العناصر على السلاح والمتفجرات في لندن.

وفي أكتوبر 2012، سلمت بريطانيا أبو حمزة المصري وشركاءه الأربعة: ابار أحمد، وخالد الفواز، وعادل عبدالباري، وسيد طه إحسان، إلى الولايات المتحدة لتورطهم في المشاركة بتنفيذ عمليات إرهابية، وتفجيري نيروبي ودار السلام.

يشار إلى أن خالد الفواز، المعروف بأبو عمر السباعي، سعودي الجنسية، هو مندوب أسامة بن لادن، وممثل "هيئة النصيحة والإصلاح" التي يتولى شؤونها حاليا الهارب سعد الفقيه.

وفي إطار صفقة ضمنت لعبدالباري أن يكون بالسجن 25 عاما، مع الادعاء الأميركي، أقر أمام المحكمة الجزئية في نيويورك في فبراير 2015 بأنه مذنب في تهم تتصل بتفجيري السفارتين الأميركيتين في كينيا وتنزانيا عام 1998.

وقال عادل عبدالباري (60 عاما) أمام المحكمة، إنه مذنب في 3 تهم، هي التهديد بالقتل والإصابة، وتدمير ممتلكات بواسطة عبوة متفجرة، والتآمر لقتل أميركيين في الخارج.

وجاء عرض عبدالباري قبل شهرين من مثوله أمام محكمة اتحادية بجانب متهمين آخرين في القضية، هما الليبي نزيه الرقيعي، الشهير بأبي أنس الليبي (توفي قبل إتمام المحاكمة)، والسعودي خالد الفواز.