عاجل

البث المباشر

كاتب سعودي ينتقد تحويل "آيا صوفيا" إلى مسجد

المصدر: دبي - العربية.نت

انتقد الكاتب السعودي طلال الطريفي تحويل متحف آيا صوفيا الشهير في تركيا، والذي يمثل أكثر المعالم السياحية قصدا في إسطنبول، إلى مسجد.

وفي مقال مطول تعليقا على تلك القضية التي شغلت العديد من وسائل الإعلام حول العالم في الأيام الأخيرة، اعتبر أن تلك الخطوة تكشف طبيعة الحكومة التركية، مشيرا إلى أن في ما تُمارسه الحكومة الحالية برئاسة رجب طيب أردوغان عسكرياً وسياسياً ضد العالم العربي، إنما هو انعكاس للطبيعة العثمانية القديمة، سواءً بدافع الأحلام الإمبراطورية، أو الاستنزاف الاقتصادي والسياسي لبعض الدول التي مدَّت بها الجمهورية التركية نفوذها، مُستغلة الأيديولوجيَّة الحزبية للمجموعات المُتطرِّفة، وافتراض حالة من الصراع العربي العربي باستثارة العواطف الدينية التي تدعو إلى العُنف وقهر الآخر.

كما رأى أن "خلف كل ما تستثيره الحكومة التركية من موضوعات وإجراءات ذات بُعد عاطفي ديني؛ يختبئ إحداث كارثة أو محاولة دعم الصورة النمطية التي يحرصون على رسمها بين المتعاطفين معهم، من خلال خلق مشاعِر مُختلطة بين الواقع المأساوي الذي تحاول تركيا جرّ الشرق الأوسط إليه ونقيضه، مما يدعم موقفها ويصورها برداء الإسلام والحرص على مصالحه".

وشدد على أن الحزب الحاكم التركي حالياً يتلاعب بالمشاعر المُختلطة لدى شعبه والحكومات الضعيفة التي تستظل بظله، حتى باتت العاطفة معلَّقة بين تصديق هذا الثوب الإسلامي المُطرَّز بالتقوى والكرامات، والواقع المادي البعيد كل البُعد عنه.

إلى ذلك، اعتبر أن تفاصيل لعبة أردوغان باتت مكشوفة، إلا أن الحكومة التركية لم تزل تُمارس اللعب على الوتر الديني وعاطفته.

وتابع مشددا على أن ما تم تسويقه إعلامياً خلال الأيام الماضية من تصويت المجلس الدستوري التركي بالإجماع لإبطال قرار الحكومة عام 1353هـ الموافق 1934م بتحويل "آيا صوفيا" إلى متحف بعد أن كان مسجداً؛ يظهر صورة واضحة من صور التلاعب بالمشاعر، خاصة مع تداول رفع الأذان في أيا صوفيا وإعادة فتحها أمام المُصلّين.

متحف آيا صوفيا (أرشيفية- رويترز) متحف آيا صوفيا (أرشيفية- رويترز)

وأكد أن القصد الأساس من ذلك هو كسب الجانب المُتطرِّف من المسلمين بهذه الصورة التي تثير مشاعرهم، وتغطي على الواقع المادي البعيد جداً عن الإسلام.

كما أضاف أنه من الممكن أن تتلاعب السياسة في أي مجال؛ عدا الجانب العلمي والتاريخي، فالتاريخ وإن استخدم لقضايا سياسية؛ تبقى حقائقه ماثلة وواضحة بدعم المصادر والمراجع التي تخدمه من خلال المتخصصين والمهتمين.

وأوضح أن ما تتم ممارسته في استخدام التاريخ المُركَّب في تُركيا؛ إنما هو تصوير حي لحالة الاستنزاف الحكومي له لخدمة المصالح السياسية.

"الجانب التاريخي"

وفيما يخص "آيا صوفيا"، دعا إلى النظر إلى الجانب التاريخي بناءً على سؤالين مهمين؛ الإجابة عنهما تكشف لنا ما تقوم به الحكومة التركية:

الأول: هل قام المسلمون قبل العثمانيين منذ عهد الرسول وخلفائه من الراشدين، ومن بعدهم الأموية والعباسية بانتهاك حُرمة دور عبادة أهل الكتاب في البلاد المفتوحة؟

الثاني: ما هو واقع حادثة رفع الأذان في عهد محمد الثاني بعد دخول القسطنطينية، وتحويل كنيسة آيا صوفيا إلى مسجد؟

ليتابع مجيبا: "في عصر النبوة ذكر محمد بن سعد (توفي: 230هـ- 845م) في الطبقات الكبير ما يلي "وكتب رسول الله لأسقف بني الحارث بن كعب وأساقفة نجران وكهنتهم ومن تبعهم ورهبانهم: أن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانهم، وجوار الله ورسوله، لا يغير أسقف عن أسقفيته، ولا راهب عن رهبانيته، ولا كاهن عن كهانته". (تحقيق: علي محمد «القاهرة: مكتبة الخانجي»، 2001). وفيما كتب منهج وأسلوب يجب على المسلمين كافة الاقتداء به في التعايش مع الآخر، واحترام طقوسه الدينية ودور عبادته ومشاعره.

ووفق هذا الهدي السمح سار الخلفاء الراشدون من بعده، فقد ضمن الخليفة عمر بن الخطاب نحوه في العهدة العمرية التي كتبها لأهل القدس، وفيها: "بسم الله الرحمن الرحيم؛ هذا ما أعطى عبد الله عمر أمير المؤمنين أهل إيلياء من الأمان، أعطاهم أماناً لأنفسهم وأموالهم، ولكنائسهم وصلبانهم وسقيمها وبريئها وسائر ملتها، ألا تُسكن كنائسهم، ولا تُهدم، ولا يُنتقص منها ولا من حيزها، ولا من صليبهم، ولا من شيء من أموالهم. ولا يُكرَهون على دينهم، ولا يُضار أحد منهم. وعلى ما في هذا الكتاب عهد الله وذمة رسوله وذمة الخلفاء وذمة المؤمنين". وبمثله كتب عمر لأهل اللُد، وبمثله أيضاً كتب عياض بن غنم لأهل الرقة، ولأسقف الرها.

وحين فتح خالد بن الوليد دمشق كتب لأهلها: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أعطى خالد بن الوليد أهل دمشق إذا دخلها أماناً على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وسور مدينتهم لا يهدم، ولا يسكن شيء من دورهم، لهم بذلك عهد الله وذمة رسول الله والخلفاء والمؤمنين". (راجع: أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبي، تحقيق: عبد الأمير مهنا (بيروت: شركة الأعلمي للمطبوعات، 2010)؛ سعيد بن بطريق «أفتيشيوس»، التاريخ المجموع على التحقيق والتصديق (بيروت: مطبعة الآباء اليسوعيين، 1905).

مقابل هذا التسامح والحالة الحضارية الراقية التي تعامل بها رسول الله وخلفاؤه من بعده، وبذلك اتصف القادة المسلمون الحقيقيون.

في المقابل، أشار الطريفي إلى أن " محمد الثاني حينما دخل القسطنطينية؛ أثار في أهلها الخوف والرعب، وسمح لجيشه أن يستبيح المدينة أياماً بعدها حتى راحت حالة النهب والخوف مثلاً كما أشرت في البداية".

متحف آيا صوفيا (أرشيفية- فرانس برس) متحف آيا صوفيا (أرشيفية- فرانس برس)

وأوضح أن آيا صوفيا كنيسة مسيحية أُنشئت بين عامي 532 - 537م في عهد الإمبراطور الروماني جستنيان الأول، وظلَّت على ذلك إلى أن دخل العثمانيون القسطنطينية، إذ خالف محمد الثاني التعاليم الإسلامية في الأمر بتحويل الكنيسة إلى مسجدٍ، مستغلاً انتصاره وقهره لأهلها.

من كنيسة إلى مسجد

إلى ذلك، ختم مشيرا إلى ان "كُتب التاريخ التي تحدثت عن هذه الحادثة؛ أجمعت على أنه أمر منذ دخوله الأول ووصوله إلى الكنيسة بتحويلها إلى مسجد وإقامة أول صلاة جمعة فيها، وأمر برفع الأذان فيها. وكان هذا أمراً قهرياً يُخالف صراحة ما أُمرنا به من احترام أهل الكتاب كما ورد في رسالة محمد ومن بعده من الخلفاء المسلمين، خاصة في احترام أماكن عبادتهم وكنائسهم".

كما لفت إلى أن مؤرخين كُثُراً أتراكاً وممن يُحسبون على العرب؛ ذكروا ذلك من باب الافتخار، رغم أن ذلك مخجل في حقيقة الأمر، لأنه لا يعكس الأخلاق الإسلامية، ومنهم التركي ألبير أورتايلي الذي قال :"وهكذا أصبحت هاجيا صوفيا، التي كانت أعظم مكان عبادة في العالم المسيحي، مكاناً عظيماً للعبادة الإسلامية. لم يكن هناك أي مبنى في أوروبا الغربية أكثر سحراً من هاجيا صوفيا. قبل تشييد الكنائس العظيمة خلال عصر النهضة، كانت هاجيا صوفيا قبلة أنظار المسيحيين في كل مكان. هذا يفسر اعتبار تحوُّل هاجيا صوفيا إلى مسجد أمراً بالغ الأهمية".

إلى ذلك، اعتبر أنه بعد هذا التاريخ المُركَّب، وحالة الاستحياء التركي في القرن العشرين من أمر آيا صوفيا بحكم محاولة تحسين الصورة أمام العالم الأوروبي؛ يعود أردوغان للتأكيد على أن الطبع متأصلٌ في النفس، ويحاول أن يكسب عاطفة المسلمين في العالم برفع الأذان في آيا صوفيا وتحويلها إلى مسجد، بينما أن ذلك لا يُمثل التعاليم الإسلامية في عدم قهر أهل الكتاب والتشفي بهم بهذه الصورة المُتطرِّفة.

ورأى أن البوصلة التركية حالياً باتجاه العالم العربي والإسلامي، وبالتالي فإن الحسبة الأوروبية باتت في حكم الميئوس منه، وبناءً عليه تمت المُقامرة باستثارة المشاعر معهم من المسلمين والعرب، ومشاعر المسيحيين السلبية في رؤية كنيستهم وقد حوِّلت قسراً إلى مسجد.

إعلانات