عاجل

البث المباشر

بدرية البشر

<p>كاتبة وقاصة سعودية، حاصلة على شهادة الدكتوراة من الجامعة الأمريكية في بيروت، وكتبت العديد من المقالات في الصحف السعودية، وألفت كتبا ومجموعات قصصية</p>

كاتبة وقاصة سعودية، حاصلة على شهادة الدكتوراة من الجامعة الأمريكية في بيروت، وكتبت العديد من المقالات في الصحف السعودية، وألفت كتبا ومجموعات قصصية

أين تقف الدولة من حملات المحتسبين؟

يتمتع لدينا مفهوم الاحتساب بـ «ليونة» تجعل كلاًّ منا يفهمه على طريقته، ولكن تبقى الطريقة الأشهر هي ما يقوم به المحتسبون الناشطون هذه الأيام الذين تعلو أصواتهم فوق كل صوت، يستعينون بآيات قرآنية حول وجوب طاعة الله والرسول «ويصعب عليهم فهم أن هذه الآية تخص طاعة الله ورسوله لا فهمهم هم. لا تتعلق حماسة المحتسبين بأي مصلحة متعطلة لمواطن فقير ولا بالاعتراض على مشهد أرملة تتسول المساعدات، وليس همهم الشوارع المتعثرة في حفرياتها ولا الوظائف الغائبة، ولا غياب الكفاية الصحية والأمنية، فما تسجله كاميرات المتفرجين عليهم والناقلة لنشاطهم تقول لنا إنهم قد احتشدوا يوماً في الصفوف الأولى أثناء عرض مسرحية في جامعة اليمامة ثم قفزوا في بداية العرض على المسرح بعصيان وعضلات، وأوقفوا المسرحية ولم يصدر بعد ذلك ما يدين هذه الفوضى الاحتسابية ويحدد خطوطها الحمراء، لهذا عادت مرة أخرى في فعاليات قرية الجنادرية - وما هي سوى مهرجان للتراث والثقافة يستضيف الحرف اليدوية والتراث - بسبب أنه سمح بدخول العائلات، فسمّوه اختلاطاً، ودخلوا في عراك مع رجال الأمن، كي ينهوا عن المنكر بيدهم ولسانهم.

الجدير بالذكر أن سيارات هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حاضرة طوال أيام المهرجان ليس فقط برجالها ورقابتها بل أيضاً بنشاطها ومحاضراتها وإرشاداتها، بعد ذلك رأينا المحتسبين يحاصرون وزير التعليم، ثم يحاصرون وزير العمل مرتين، كي يمنعوه من تطبيق قرار السماح للنساء بالبيع في محال بيع الملابس الداخلية وتركها للرجال، وزادوا في منطق أغرب من هذا بتهديده بأنهم سيدعون الله بأن يصيبه بالسرطان، كما فعلوا مع من قبله، إيماناً منهم بأنهم الذين تسببوا بموته وأن فعلهم هذا من المعروف، ثم احتسبوا في تجمع ضد تعيين عضوات في مجلس الشورى. أما معرض الكتاب الدولي فهو الساحة الأبرز لنشاطهم، فقد اعترضوا طريق وزير الإعلام في كل مرة يدخل المعرض وطالبوه بأن يمنع دخول العائلات، لأنه من الاختلاط بين النساء والرجال وأن يسحب كتب الملحدين والزنادقة والكفار، هذا عدا ترويجهم لحملات «قاطعوا المعرض الدولي للكتاب». هذا العام أعلن رئيس هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أنه سيمنع وجودهم في معرض الكتاب ولن يسمح لهم بسحب الكتب كما كانوا يفعلون كل مرة فقرّروا أن يحتسبوا ضده، لقد وصل الدور اليوم لرئيس هيئة الأمر بالمعروف نفسه، أي سيضعون أنفسهم هيئة فوق الهيئة أو حسبة فوق الحسبة!

ترى أين تقف الدولة من نشاط المحتسبين؟ فهم يسيرون وفق تفسيرات ذهنية تؤمن بقول واحد لا يشترك بالضرورة معهم الجميع فيه، ولا سيما في ما يتعلق بمفهوم الاختلاط وكشف الوجه وعمل المرأة وحضورها في الفضاء العام، وهم أيضاً لا يعترفون بأن تحديد هذا المفهوم عمل تختص به أجهزة الدولة وتطبقه عن طريق مؤسساتها، إضافة إلى أن نشاط المحتسبين ليس سببه دفع ضرر يقع عليهم، بل اعتراض على نمط حياة تخص غيرهم. المحتسبون لا يعجبهم أن يختار الناس لأنفسهم الخروج مع عائلاتهم والمشاركة في نشاطات تقيمها الدولة من فرجة على الحرف اليدوية ومعارض كتب ومسرحيات، فهم يرون أن كل هؤلاء قاصرون وإرشادهم للطريق القويم واجب عليهم هم من دون غيرهم، والإرشاد ليس بالوعظ والنصيحة بل بالوقوف فوق رأس الوزير وهو يعمل والدخول على المسؤول وهو في اجتماع وطرد المرأة من السوق ومضايقة السيدات في معرض الكتاب حتى يغطين وجوههن، ومنعهن من المشاركة في الفعاليات على منبر واحد مع المشاركين، بمعنى لا يوجد سوى طريق واحد للاحتساب أن تمتثل لي وإلا سأسد عليك الطريق.

هل تترك الدولة لهؤلاء أن يعتدوا على حقوق الناس كي يتمتعوا هم بحقهم في الاحتساب؟ وهل يحق لهم وضع شروطهم فوق الناس وفوق برامج التنمية التي لا يمكن أن تتحقق إلا وفق شروط المنظمات العالمية والدولية الشريكة كمنظمة التجارة العالمية والإنسانية كحقوق الإنسان وحقوق المرأة والأقليات؟ والأهم من كل هذا أن كل خبر عنهم سيتصدر الأخبار في الصحف العالمية، إنهم يطالبون بأن يكونوا هم أحراراً في مصادرة حريات الآخرين. فهل هذا بربكم كلام؟!

*نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة