المثقف والممارسة السياسية

نادية السالمي

نشر في: آخر تحديث:

«طاهر جاعوط» يعرف الغاية ويعرف نهايتها لكنه أصر على اتمام مهمته الثقافية لهذا قال: «إذا تكلمتَ تموت، وإذا سكتَ تموت، إذن تكلّم ومت».
طالما لابد من الموت فمت وكرامتك محفوظة بدلًا من بيعها لمن يستخدمك لتدافع عنه كلما دقت طبول الحرب ضد شخص أو حزب وحتى سلوك.
السياسة في ثقافة المثقف:
المثقف معني بالسياسية بمفهومها الواسع، وهذه مسألة لا خلاف فيها، بل هي حتمية ومتجلية، حتى وإن أنكرها مدعو الثقافة، الثقافة تلج رغمًا عن الجميع في السياسة، كما تلج السياسة في الثقافة. وإنه لمن الجهل القول بأنك غير معني بموضوع السياسة، والقائل بهذا لا يعرف دوره ولا قيمته ولا قيمة الثقافة فخلع لقب مثقف عنه أولى وأجدى.
السياسي يسعى دومًا إلى تهميش المثقف واقصائه، حتى تتم الحاجة إليه ليكون من أدوات السياسية ورهن إشارتها في توجيه الرأي العام، لهذا حاصرت المثقف في قالب معين لا يُعنى إلّا بالإبداع، مُحَاولة إقناعه باستقلاليته في مجال الإبداع وغالبًا هي دفعته دفعًا إلى هذه القناعة رغم أنفه. وبفضل ذكائه نجح المثقف في تمرير مايريد من خلال هذا الخيار الذي سمحت به السلطة.
المثقف خدع السلطة بإرادتها:
المثقف خدع السياسي من خلال إبداعه فروّج لرؤيته السياسية والاجتماعية وحتى الاقتصادية في مؤلفاته التي سمحت بها السلطة لتمنحه هالة ينشغل بها عن الممارسة الحقيقية للسياسة، لكنه للأسف خُدع حين مارس السياسية من خلال الأحزاب التي تتبنّى أيدولوجيا على جميع المنتسبين أن يعتنقوها، وعليه أن ينحصر فيها، وينكب لخدمتها فضيّقت عليه مساحة حريته فلم يعد ينطق إلا باسم الحزب ولا يتبنّى إلا فكرة التيار، وهذا من المفترض أن يفر منه المثقف فهو لا يتناسب مع قناعاته، ولا قيمه العليا، ومحاولة تقزيمه بفعل السلطة السياسية التي هرب منها واحتال عليها، قام بها الحزب أوالتيار - للأسف- ونجح فيها.
بعض المثقفين تنبهوا لهذا فانسحبوا من مصيدة الأحزاب والتنظيمات ولحقوا بركب الممارسة الحرة وهذا هو الأنفع، فالمثقف (الواعي ) بحد ذاته هو الحزب والأمة.
أدوات المثقف للممارسة السياسية:
الحق أن المثقف في الغالب لا يملك الأدوات السياسية لممارسة الفعل السياسي، - والنماذج أكثر من أن تحصى عربيًا وعالميًا- لكنه متى ما وثق من نفسه وما يملكه من أدوات تمكّن وأدى دوره على أكمل وجه.
يستطيع المثقف من خلال إبداعه وعمق إيمانه برأيه ونظرته البعيدة الاستشرافية أن يمارس السياسية في خطابه السردي أو الشعري والكتب تزدهر بمثل هذا وقراؤها الذين تأثروا بها وناضلوا تحت شعاراتها كُثر، كل ماهو بحاجته المثقف هنا فضح ومعالجة واقع السلطة الذي يؤرقه ونقله إلى واقع ثقافي يدفع المتلقي إلى الفهم والتنوير، من خلال المسرح والسينما والرواية وحتى القصيدة، وبهذا يقلب السحر على الساحر، فالسياسي أراد عزل المثقف بالإبداع لكن المبدع عزل السياسي وحاصره بإبداعه، ولنا في المبدع كاتب السيناريو والممثل «ياسر العظمة» وماقدمه في «مرايا» من كوميديا سياسية واجتماعية خلال مايقارب 35 عامًا دليلًا واضحًا، وبينة لا شك فيها. كذلك مسلسل «الولادة من الخاصرة» دراما اجتماعية بأجزائه الثلاثة والتي تعالج مجموعة من الأفكار في الشارع السوري من خلال أشخاص من طبقات المجتمع المختلف، والجزء الثالث منه «منبر الموتى» أرادت المؤسسة الرسمية السياسية السورية أن تقول من خلاله أن ما حدث من أخطاء في 2011 كانت أخطاء فردية لا علاقة لرأس الهرم بها!.، لكن وعي المتلقي أدرك أن هذه الأخطاء كانت هي الشعلة في تأجيج الثورة!.
أيضًا فيلم «الراقصة والسياسي» للكاتب «إحسان عبدالقدوس» سلط الضوء على قمع الحريات وضياع الحقوق وانهيار المنظومة الأخلاقية في يد مجموعة من المسؤولين في السلطة.
إذن في البلاد النامية يحتاج المجتمع للنخبة لتقيّم العمل السياسي، وهذا دورها وهي ملزمة به وإلا كانت ضعيفة او خائنة، لهذا عليها أن تختار الطريقة المناسبة لممارسة العمل السياسي بطريقة مباشرة كالتي اختارها «يوسف إدريس» فكان راديكاليًا حينما اشتبك مع السلطة من خلال مقالاته واطروحاته. وطريقة غير مباشرة كالتي اختارها نجيب محفوظ وهي مداهنة السلطة، لكن ابداعه وما قدمه يدل على موقف مناهض ومختلف مع السلطة.
المهم في الطريقتين أن تبقى القيم الإنسانية والمصلحة العامة والتنوير هدف المثقف.
نقاط على الحروف:
السياسة إذا فسدت فسد معها الشأن الثقافي وانحدر التفكير وآل الأمر إلى ضياع المجتمع، ثبات التوافق بين المثقف والسلطة يشي بخلل ما، والمثقف الذي ينعزل عن الواقع وينكفئ على نفسه متخاذلًا عاجزًا عن الإصلاح قد يكون ساهم بعزلته في تقوية السلطة وقمع الحريات، وتنامي الفساد، ولا يلزم المثقف ليتم الإصلاح أن يكون ثوريًا ولا صاحب خطبًا حماسية يكفي أن يكون عقلانيًا واقعيًا صادقًا في نقده مدافعًا عن القيم الإنسانية الوطنية.
«نعوم تشومسكي» يراهن على نجاح هذا فهو يرى أن (المشاركة السياسية بالرأي) للتعبير عن الرأي المعارض سعيًا لتغير السياسات غير المرضي عنها أنفع، ونرجو أن يتم لنا هذا بأريحية.

*نقلاً عن "الجزيرة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.