الجودة الشاملة

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

«تضاعفت أرباح الشركة ثلاث مرات خلال سنوات قليلة بسبب تطبيق الجودة الشاملة» خبر قصير قرأته في مجلة علمية أثناء عملي في القوات الجوية، حينها بدأ اهتمامي بالجودة الشاملة وبدأت أقرأ عنها وحاولت تطبيقها في الوحدة التي أرأسها مع الاستعانة بمعهد الإدارة، لكن المحاولة لم تستمر لأن الجودة لا تنجح إلا إذا تبنتها القيادة العليا في المؤسسة، ولذا لم تنجح الجودة الشاملة في بلد المنشأ الولايات المتحدة الأميركية فانتقل مؤسسها السيد «ديمنج» إلى اليابان بعد الحرب العالمية الثانية حيث وجد البيئة المناسبة والمتعطشة إلى التطوير ومنافسة الدول الصناعية، فتبنتها الحكومة اليابانية، وبدأت بتطبيقها في الصناعة والخدمات وفي المؤسسات الحكومية وكل أوجه الحياة حتى اليوم، وقد تبنت الحكومة اليابانية جائزة سنوية للجودة الشاملة تحمل إسم مؤسسها السيد «ديمنج».

والجودة بشكل عام تعني خلو المنتج من الأخطاء وتؤكد على قياس مدى رضا العميل، وتدعو إلى التطوير المستمر للمنتج، وهو ما جعل اليابان مثالاً يحتذى في جودة خدماتها ورقي تعاملاتها، وجودة منتجاتها التي غزت أسواق العالم ومنها الولايات المتحدة الأميركية.

واليوم تخطو المملكة خطوة أخرى على طريق التقدم والإصلاح بتبني «جودة الحياة 2020» والتي تعني تهيئة البيئة المناسبة للرقي بحياة المواطن والمقيم وإشراكه في الأنشطة الترفيهية والثقافية والرياضية مع التركيز على جودة الخدمات المقدمة له من صحة وتعليم وأمن، وبناء اقتصاد قوي أساسه الجودة سواء في البنية التحتية للمشاريع الكبيرة القادمة، والتي ستسهم في تحقيق الرؤية وتنويع مصادر الدخل، أو في جودة منتجات المصانع والمؤسسات.

جودة الحياة لا يمكن اختزالها في مقال أو مقالات لكن أهم النقاط التي أرى أن يركز عليها في هذا البرنامج الطموح ما يلي:

أولاً: التركيز على رفع مستوى الحياة لدى الطبقات الأقل دخلاً، فهي الحلقة الأضعف في أي مجتمع وهي الأكثر في عدد أفراد الأسرة والأكثر حاجة للخروج من دائرة الفقر والجهل والبطالة، وهذا بحد ذاته مشروع كبير يحتاج إلى تظافر جهود كل مؤسسات القطاع العام والخاص والقطاع الثالث للانتقال بهذه الفئة من الحاجة والسؤال وانتظار مخصصات الضمان أو الجمعيات الخيرية في آخر كل شهر إلى المشاركة والإنتاج، والاستفادة القصوى من التعليم والرعاية الصحية الأولية والرياضة والترفيه، والعناية بالمرأة التي هي صمام الأمان في الأسرة. جودة الحياة 2020 سوف تعطيهم الأمل وتشعرهم أنهم فئة غالية ومهمة في بناء المجتمع ورفاهيته.

ثانياً: الصحة مهمة الجميع وجودتها تعني تظافر الجهود من كل الجهات المعنية لتكثيف جهودها مع وزارة الصحة للتركيز على الرعاية الصحية الأولية لمنع حدوث المرض أو اكتشافه مبكراً عند حدوثه، والاهتمام بصحة المواطن بدنياً ونفسياً، والتعامل مع كل مسببات الإعاقة والعمل على منع حدوثها، وتهيئة البيئة المناسبة لممارسة الرياضة كإنشاء الحدائق الكبيرة داخل المدن كما هو في مدن الدول المتقدمة، فالأشجار هي الرئة التي من خلالها تتنفس المدن وساكنوها الهواء النقي، وعن طريقها يحارب التلوث وتخفف درجة الحرارة، مع وضع برنامج وطني للسلامة على مستوى الوطن يقلل الحوادث المميتة والمسببة للإعاقة شبيهة بما قامت به دولة السويد وتمكنت خلاله من تقليل وفيات حوادث الطرق من ألفي حالة وفاة في العام في التسعينات إلى قرابة المئتين في عام 2017.

ثالثاً: التعليم الجيد يعني جودة الحياة، فالبيئة المدرسية الصحية تسهم في تنشئة مواطن محب متسامح ويتمتع بالصحة ويمارس العادات المفيدة التي تزيده قوة كالقراءة والرياضة، ويحترم المجتمع الذي يعيش فيه والبيئة التي تحيط به، التعليم الجيد يعني محاربة العادات المضرة التي تؤثر على جودة الحياة كالتدخين والمخدرات والسمنة والكسل، التعليم الجيد يمكن أن يكتشف المواهب الرياضية والثقافية والعلمية وينميها ويجعل من مسرح المدرسة مكاناً يلتقي فيه الطلبة والطالبات مع الآباء والأمهات في أمسيات ترفيهية جميلة وهادفة، أما الجامعات فعليها أن تبذل المزيد من الجهد للمساهمة الفعالة في تنفيذ مبادرة جودة الحياة داخل الجامعة وفي المجتمع المحيط بها، وأن تتبنى المبادرات الهادفة لتغيير ثقافة المجتمع ووعيه بأهمية الممارسات الصحية والثقافية والفنية وأن تسهم في الدراسات الميدانية التي ترصد وتكافح ثقافة الإنغلاق والفقر والجهل والمرض.

كنت أحلم في تطبيق الجودة على مستوى الوحدة التي كنت أرأسها ثم على مستوى القوات الجوية ،وإذا بفارس الرؤية والتحول ولي العهد يجعلها مشروعاً ومبادرة على مستوى الوطن.

* نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.