في متحفي أبرق الرغامة وقصر خزام

أمين ساعاتي

نشر في: آخر تحديث:

تعد مشاريع سياحة المتاحف من أهم الأذرع التي تقوم عليها السياحة الوطنية في أي بلد من بلدان العالم. ولذلك فإن مشاريع المتاحف من المشاريع التي يجب أن تحظى باهتمام كبير من جميع الجهات ذات العلاقة، وهي واجهة حضارية ووسيلة ثقافية من الدرجة الأولى، ولذلك قالوا إن المتاحف هي ذاكرة الشعوب الحية. إن المملكة العربية السعودية بما حباها الله من شعاع الحضارات الغابرة ومن نور الحضارة الإسلامية الخالدة في أمسّ الحاجة إلى بناء المتاحف العملاقة في كل مدينة من مدن المملكة. ورغم أن أمانات المدن، وبدعم من الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، حققت نجاحات كبيرة في مجال إعادة بناء وتأهيل بعض المتاحف، يأتي على رأسها متحف المصمك التاريخي في العاصمة الرياض، إلا أن بعض المشاريع ما زالت تتعثر وتحتاج إلى انطلاقة قوية. في الأسبوع الماضي، قمت بزيارة متحفين من متاحف مدينة جدة، وهما متحف أبرق الرغامة في شرق جدة، ومتحف قصر خزام في جنوب جدة، والمتحفان على درجة كبيرة من الأهمية لتاريخنا الوطني الحديث. وكنت أتمنى أن أجد في هذين المتحفين ما يثلج الصدر، ولكن -مع الأسف- لم أجد إلا بعض المحاولات التي تحاول أن تعيد بناء متحف أبرق الرغامة، وفهمت أن متحف أبرق الرغامة تتجاذب إدارته جهات عدة. و«أبرق الرغامة» يقع على مشارف جدة للقادمين إليها من مكة المكرمة، وهو الموقع الذي خيم فيه الملك عبدالعزيز -طيّب الله ثراه- قبل دخوله مدينة جدة، والرغامة واد يقع شرق مدينة جدة، وكان هذا الوادي مصدرا لسقيا أهالي جدة ويسمى عين الرغامة. شهد هذا الموقع أحداثاً عسكرية مهمة حينما كان رجال الملك عبدالعزيز يعسكرون في الموقع، ولذلك قامت أمانة مدينة جدة في عهد أمينها السابق الدكتور محمد سعيد فارسي؛ بتحديد الموقع وبناء قلعته البرّاقة، وتخليدا للذكرى فقد صمم الدكتور فارسي؛ مجسما تذكاريا وضعه في مدخل المتحف، وهو يعبر عن محورين هما؛ الشخصية: وهي شخصية القائد صقر الجزيرة الذي استطاع أن يجمع شتات الجزيرة العربية تحت راية التوحيد. والرجال؛ رجال اعتصموا بحبل الله جميعا، وجعل المتحف معلما من معالم انتصارات الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -يرحمه الله-، واستطاع الدكتور فارسي؛ أن يجمع بعض ما يمكن الوصول إليه من مقتنيات ومن معدات جديرة بأن تكون متحفاً للزوار والسياح. وظلت أمور متحف أبرق الرغامة على ذلك الحال دون تطوير إلى عهد الدكتور هاني بن محمد أبوراس؛ أمين محافظة جدة السابق، الذي قام بترميم المتحف وتبييضه وإعادة النضارة إلى واجهاته. ولكن يبدو إن المتحف ــ كما ألمحنا ــ يمر بمرحلة انتقالية، حيث تحاول دارة الملك عبدالعزيز الإشراف على إدارة المتحف باعتباره واحدا من أهم المواقع العسكرية لجيش الملك عبدالعزيز - يرحمه الله. ولكن في جولتي الخاطفة إلى متحف أبرق الرغامة أحسست بأن المتحف يحتاج إلى جهود كبيرة كي يكون في المستوى الذي يستحقه واحد من أهم المتاحف العسكرية وتستحقه مدينة جدة الفتية، وأتمنى أن توفق إدارة دارة الملك عبدالعزيز في تمكين المتحف من أن يكون منارة من منارات السياحة الوطنية في المملكة العربية السعودية-. أما الزيارة الثانية، التي قمت بها لمتحف قصر خزام، فقد تعجبت منها؛ لأن قصر خزام هو أول قصر يبنى للملك عبدالعزيز في جدة بعد توقيع اتفاقية تسليم جدة عام 1925، حيث كان في أيامه الأولى يدير مملكته من مكتبه الخاص في بيت نصيف، ثم من بيت العماري المعروف باسم القصر الأخضر. ومن قصر خزام، أصدر الملك عبدالعزيز - يرحمه الله - كثيرا من الأوامر الملكية المهمة، وفي القصر ذاته استقبل كثيرا من الملوك والرؤساء ومسؤولي الدول؛ بل صدر من قصر خزام كثير من الأوامر الملكية، وصدر من قصر خزام أهم أمر ملكي في تاريخ المملكة العربية السعودية، وهو الأمر الملكي رقم 2716 وتاريخ 17 جمادى الأولى 1351هـ، الذي حول اسم مملكة الحجاز ومملكة نجد وملحقاتهما إلى اسم المملكة العربية السعودية. ورغم أن هذا القصر شهد أحداثا على درجة كبيرة من الأهمية في تأسيس المملكة العربية السعودية، إلا أن المتحف يحتاج من الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، إلى مبادرة بإعادة الترميم والبناء، كذلك يحتاج إلى تنظيم شامل؛ حيث يجد زواره ما يسعون إلى معرفته من المعلومات والبيانات، وقال لي أحد الإداريين الذين قابلتهم إن جميع مقتنيات المتحف تم حفظها في المستودعات، وإن المتحف بانتظار مشروع لإعادة البناء الذي سيعيد للمتحف أهميته ووجاهته. ولاحظت من خلال زيارتي متحفي أبرق الرغامة وقصر خزام، أن المتحفين يستعدان لمرحلتين من مراحل التطوير والتجديد اللتين نتمنى أن تتحققا في أقرب فرصة ممكنة، علما بأن الفصل السابع من نظام الآثار والمتاحف والتراث العمراني الذي صدر عام 1436هـ، يعطي الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، مسؤولية الإشراف على المتاحف الوطنية في المملكة. أعود مرة أخرى، وأؤكد أن سياحة المتاحف هي السياحة الأهم في بلادنا، وهي السياحة الأنسب، لأن هذه البلاد هي بلاد الحضارات القديمة، وهي البلاد التي شع فيها نور الإسلام، وهي البلاد التي تحققت على أرضها أكبر معجزة في التاريخ الحديث، وهي معجزة التوحيد التي رادها وقادها الزعيم البطل الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود -طيّب الله ثراه-.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.