مقاومة الاتكالية

علي الجحلي

نشر في: آخر تحديث:

انطلق مع بداية شهر رمضان عدد من المسلسلات التي تحاول جذب المشاهد؛ لما تقدمه من رؤية للحياة والناس. مقدمة تلك الأعمال تدل على أن هناك توجها عاما نحو البحث في التاريخ عن حكايا قديمة، قد يرى البعض أنها محاولة لاسترجاع حالة مجتمعية كانت أكثر استقرارا، أو أنها حنين لزمن حوى أغلب ما نبحث عنه اليوم من العلاقات الاجتماعية والتفاعل مع الآخر. يتجسد هذا في العلاقات التي يبنيها كتاب النصوص، ويجسدها الممثلون بهوياتهم المختلفة. يبتعد كثيرون في تحليل جزئيات معينة من الحالة الاجتماعية مع إهمال جزئيات أخرى، لكنه يبقى ضمن محاولة كسب المشاهد ولو من خلال الخروج على بعض الحقائق أو التصوير المختلف للواقع لجعله أكثر جاذبية. الغالب على هذه المسلسلات هو البحث في المتناقض، وتأكيد ما ينتشر من مفاهيم اليوم وكأنها جزء من تركيبة المجتمع في الأساس، لكنها فقدت في مراحل التطور التي مر بها مجتمعنا مثله مثل كل المجتمعات البشرية. تظل في ذاكرة الإنسان بقايا قد تكون سعيدة أو حزينة، لكن الأغلبية يميلون إلى البحث عن السعيد منها. المشاهد في التاريخ القديم والقريب يرى أن هناك تحولات تاريخية طالت المفاهيم التي سادت على مر العصور، ومن أهم تلك المفاهيم الاكتفاء الذاتي. قد يرى البعض في ذلك مبالغة، لكن مشاهدة أي من المسلسلات التي تعرض اليوم ستؤكد أن هناك شخصيات رئيسة تعيش بيننا اليوم، مفقودة من المشهد العام في تلك المحاولات التصويرية للواقع. تتماهى تلك المشاهد مع الدراسات الحديثة التي تؤكد إشكالات أساسية في المجتمع اليوم، إشكالات يجب أن تعالج، وأهمها مفهوم الاتكالية؛ حيث يوجد في المجتمع عدد غير قليل ممن لا وجود لهم في السابق. لن أركز على العاملة المنزلية أو السائق، فهاتان شخصيتان يتفق عليهما الجميع. نتحدث عن البائع والميكانيكي وكل من يشغلون الأعمال الفنية في المرحلتين كمكون اختلف بشكل جذري. المجتمع الذي كان بسيطا في تلك المراحل، كان في الوقت نفسه مستقلا لا يحتاج إلى الأجنبي سوى في أعمال أكثر جذبا اليوم لأبنائنا لرونقها واحترامها وراحة البيئة التي تحتويها كالطب والتعليم وغيرهما. إن كان لنا من درس فلا بد أن نستوعبه ونعمل على استعادته من تلك الأيام، فهو الاعتماد على الذات، وممارسة كل الأعمال التي يحتاج إليها المجتمع من قبل أبناء وبنات المجتمع، وهي اليوم أكثر كسبا وأفضل بيئة وأقل تطلبا.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.