الأحساء على لائحة التراث العالمي

مشاري بن عبدالله النعيم

نشر في: آخر تحديث:

ملف الأحساء يعتبر من الملفات الصعبة والفريدة من نوعها على لائحة التراث العالمي، فهي أول واحة بهذا الحجم تسجل، فقد ضم ملف التسجيل 12 موقعاً متسلسلاً بمساحة 8544 هكتاراً تقريباً شمل الثلاث واحات الكبرى..

ربما يتذكر كثير من الذين تابعوا تسجيل ملف الأحساء كلمات الشيخة هيا آل خليفة وهي تقرأ القرار (42 COM 8B.16)، الذي يعلن الأحساء موقعاً على لائحة التراث العالمي والفرحة العارمة التي انتابت الوفد السعودي، المشهد مؤثر وله حكاية يجب أن تسجل.

لقد كان يوم الجمعة 29 يونيو 2018 يوماً غير عادي في تاريخ لجنة التراث العالمي؛ لأنه اليوم الذي تم فيه تسجيل واحة الأحساء، هو يوم غير عادي لأن ملف الأحساء كان في غاية الصعوبة والتعقيد، وكانت توصية لجنة الخبراء «الأيكوموس» هي عدم تسجيل الملف، ولكن ولأول مرة يتم تسجيل ملف كانت التوصية بعدم تسجيله مباشرة ودون تصويت ودون المرور في المراحل التي عادة ما تمر بها ملفات التسجيل التي يكون عليها خلاف.

لن أقحم القارئ في التفاصيل التقنية التي مر بها هذا الملف المهم، لكن يجب أن أشير هنا للدلالات السياسية والاقتصادية والثقافية لهذا الإنجاز الذي يؤكد مكانة المملكة سياسياً واقتصادياً وثقافياً وثقلها المباشر، وقدرتها على التأثير وحشد الحلفاء.

الأمير سلطان بن سلمان، هذا الفارس العنيد المثابر، هو من وقف وراء هذا الإنجاز، وأذكر أنه قبل التسجيل بأيام قليلة (الأحد 24 يونيو) في يوم افتتاح اجتماعات لجنة التراث الثانية والأربعين في البحرين تحدثنا معه عن صعوبة الملف والعقبات الكبيرة التي تواجه تسجيل واحة الأحساء، لكنه أشار بيده للأمام وقال: ليس أمامكم إلا التسجيل، وقال: هذا مرتبط بمكانة المملكة والأحساء وأهلها «يستاهلون المثابرة»، لقد كانت روح المواطن الذي لا يعرف اليأس والإيمان العميق بالنجاح لدى الأمير هي المحرك لباقي الفريق في الأيام القليلة التي فصلت بين هذا اللقاء وبين إعلان التسجيل.

لا أنكر أبداً أن هذا الكلام بعث في الجميع الحماسة، وعزز لديهم الثقة بأن هذا الملف سيمر، رغم أن الجميع حولنا (وأقصد باقي الوفود) كانوا يرونه مستحيلاً، في آخر يوم عمل في شهر رمضان المبارك كنت مع الأمير سلطان في مركز الملك عبدالعزيز التاريخي (إدارة الآثار) وكان يتحدث بثقة عن الإعداد لاحتفال تسجيل الأحساء، وكنت متخوفاً لأني أعلم صعوبة الملف، والوضع الحرج الذي هو عليه، لكن ثقة الأمير كانت تبعث فِي الأمل. تسجيل ملف الأحساء سابقة مهمة، وهي درس في الروح القتالية وبناء الفريق المثابر، لأن من كان يرى جميع أفراد الفريق السعودي في البحرين سيتأكد أن هناك أمراً جللاً، وأن هناك عملاً دؤوباً سبق مناقشة ملف الأحساء خصوصاً من مندوب المملكة الدائم في اليونسكو، الدكتور إبراهيم البلوي ومساعديه، والدكتور علي الغبان، والزملاء في الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، وأمين الأحساء المهندس عادل الملحم. إنها تجربة مهمة «تدرّس»، لأنها ليست فقط تجربة تقنية امتدت على مدى ثلاثة أعوام بل هي تجربة في القيادة والإدارة وبناء الفريق المتجانس.

ملف الأحساء يعتبر من الملفات الصعبة والفريدة من نوعها على لائحة التراث العالمي، فهي أول واحة بهذا الحجم تسجل، فقد ضم ملف التسجيل 12 موقعاً متسلسلاً بمساحة 8544 هكتاراً تقريباً شمل الثلاث واحات الكبرى، الشمالية والشرقية والسيفة في وسط مدينة الهفوف، بالإضافة لموقع عين قناص الأثري والقصور التاريخية، ووسط مدينة العيون، كما ضم مناطق حماية بمساحة بلغت 21556 هكتاراً، شملت مواقع مهمة مثل جبل القارة ووسط الهفوف وغيرها من مواقع.

هذه المساحة تعد شاسعة، وربما لأول مرة تقدم لجنة التراث العالمي على تسجيل موقع بهذا الحجم وهذا التنوع والتعقيد. الفكرة التي قام عليها الملف هي «مشهد ثقافي متجدد» Evolving Cultural Landscape، وبالطبع هناك من يترجمه على أنه مشهد ثقافي متطور أو متغير، لكن أرى أنه من الأنسب تسميته «متجدد» لأن الواحة بكل محتواها الثقافي والطبيعي والاجتماعي استطاعت أن تجدد من نفسها عبر تاريخ امتد لأكثر من 6000 سنة.

خلافاً للظهور الثقافي المتنامي للمملكة العربية السعودية على الصعيد العالمي، تسجيل الأحساء على لائحة التراث العالمي له نتائج ثقافية واقتصادية وعمرانية مباشرة على الواحة، وهذا في حد ذاته يكتسب أهمية كبيرة تصب مباشرة في التنمية المحلية، وبناء اقتصادات إقليمية قائمة على السياحة الثقافية التي يرتبط بها العديد من الصناعات والحرف والأنشطة. حماية الواحة بكل حضورها التاريخي والطبيعي يمكن اعتباره أول المكتسبات للتسجيل، وهذا في حد ذاته يعتبر أمراً في غاية الأهمية لكن سيظل «المشهد الثقافي المتجدد» هو المكسب الأكبر الذي سيعزز من مكانة وتأثير هذا الجزء الغالي من وطننا الكبير على المستوى الثقافي والاقتصادي.

*نقلا عن صحيفة "الرياض".

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.