قادتنا تفي بوعدها

د. طلال بن سليمان الحربي

د. طلال بن سليمان الحربي

نشر في: آخر تحديث:

رعت قيادة المملكة توقيع اتفاق السلام التاريخي بين إثيوبيا وإريتريا لإنهاء صراع استمر عشرين عامًا وأدى إلى مقتل أكثر من 80 ألف شخص. بتوقيع هذا الاتفاق، يكون رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد علي، والرئيس الإريتري أسياس أفورقي قد فتحا صفحة جديدة من العلاقات بين البلدين ستكون لها تأثيرات إيجابية على العلاقات الثنائية بينهما وعلى العلاقات مع الدول العربية والوضع في إفريقيا بصورة عامة.

على حدود البلدين سوف تصمت أصوات المدافع، وسوف يعود الأسرى لدى الجانبين إلى ذويهم، وسوف يعاد فتح المطارات وتسيير الرحلات الجوية المدنية بدلاً من الطائرات الحربية، والسماح لإثيوبيا بالوصول إلى البحر الأحمر عبر ميناء عصب الإريتري بدلاً من جيبوتي، وإعادة فتح السفارات وخطوط الاتصالات والتجارة بين البلدين اللذين يجمعهما تاريخ مشترك مزقته الحرب.

وسوف يؤدي الاتفاق إلى إخراج إريتريا من عزلتها ووضعها الاقتصادي المتردي والعقوبات الدولية المفروضة عليها والتي طلبت حتى إثيوبيا نفسها برفعها عنها. آبي قال إن الحدود بين البلدين لم تعد موجودة لأن جسر الحب حطّم هذه الحدود. آبي نفسه كان مقاتلاً على الجبهة ولذلك فهو يعرف ما تعنيه الحرب وما يعنيه السلام، فمنذ جاء إلى الحكم في انتخابات ديمقراطية في أبريل الماضي لم يخفِ الرجل رغبته في السلام وتصميمه على التغيير، فأطلق سراح المعتقلين السياسيين وأصدر عفواً عن المتهمين بجرائم سياسية في عهد سلفه هايلي ماريام، ووعد بخصخصة جزئية للمؤسسات المملوكة للدولة مثل الخطوط الجوية. هذا الرجل أراد أولاً أن يخلق سلاماً في الداخل ليتمكن من تحقيق السلام مع الخارج، وقد تعرض في يوليو الماضي لمحاولة اغتيال "من الذين لا يحبّون أن يروا إثيوبيا موحدة"، كما قال بعد المحاولة الفاشلة.

كان باستطاعة رئيس الوزراء الشاب هذا أن يبقي على التوتر وحالة الحرب مع إريتريا لكونها جزءا من إثيوبيا وانفصلت عنها في تسعينيات القرن الماضي، لكنه لم يفعل لأنه يدرك أنه لا يمكن بناء الدول بالحرب ولكن من خلال علاقات التعاون وحسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى. هذه هي عقلية القائد الذي يعي دروس الماضي ويفهم متغيرات الحاضر ويستشرف المستقبل.

إن رئيس الوزراء الإثيوبي بحاجة إلى دعم لإنجاح استراتيجيته في النهوض ببلاده وإعادة الاعتبار للمكوّن الإسلامي الذي ظل مهمّشًا ومضطهداً طوال عقود طويلة مضت. لذلك يجب الالتفات إلى حقيقة أن المسلمين يشكلون نحو 50% من سكان البلاد الذي يقارب 90 مليوناً. كما يجب المساعدة على توحيد الصف الإسلامي في تلك البلاد بعدما شوهته إيران وحزب الله من خلال بث النعرات الطائفية بين المسلمين.

تُعدُّ إثيوبيا برأي كثير من المخططين الاستراتيجيين المفتاح لكل القارة الإفريقية وقد ظلت محط اهتمام الغزاة والمستعمرين والمبشرين، لكنها لم تحظ من الدول الإسلامية بالاهتمام الذي تستحقه.

في العام 1935 غزا بنيتو موسوليني إثيوبيا لأنه كان يحلم علناً بأن يسيطر على كل حوض البحر الأبيض المتوسط، ويحوله إلى بحيرة إيطالية، وأن ينشئ إمبراطورية تمتد من الحبشة إلى ساحل غينيا الغربي. ومن أجل كسب المسلمين إلى جانبه، أمر ببناء أكبر مسجد في أديس أبابا في ذلك الوقت.

وقد تنبهت قيادة المملكة إلى هذه الحقيقة وإلى خطورة ترك الساحة الإفريقية مفتوحة أمام التغلغل الإسرائيلي والإيراني. ولهذا سعت جاهدة إلى التوصل إلى اتفاق سلام بين هذين الجارين وبين دول إفريقية أخرى.

يضاف إلى ذلك أن البلدين بحاجة ماسّة إلى الاستثمار في مشاريع كثيرة، وقد تكون هذه فرصة لفتح أسواق خارجية ضمن رؤية سمو ولي العهد لتنويع مصادر الدخل.

وهكذا ما كان اتفاق السلام ليتم لو لم تخلص النوايا ولو لم يجد رئيس الوزراء الإثيوبي النصح والمشورة والمساعدة من قيادة المملكة في شخص خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد من دون أن ننسى دور ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد الذي أشاد مع رئيس الوزراء الإثيوبي والرئيس الإريتري بدور المملكة في هذا الإنجاز التاريخي.

لقد سعت المملكة بصمت إلى تحقيق هذا الإنجاز لأنها تعرف أنه سوف تكون له انعكاسات إيجابية على شعوب المنطقة وعلى مجريات الحرب في اليمن وحفظ خطوط الملاحة وحركة التجارة في البحر الأحمر، المهددة من العمليات الإرهابية التي تقوم بها عصابات الحوثيين المدعومة من إيران.

في أيام الهجرة الأولى، طلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم من المسلمين الهجرة إلى الحبشة لأن فيها ملكاً لا يظلم عنده أحد، والآن، وبعد 1400 عام يأتي أهل إثيوبيا إلى مهد النبوة ليوقعوا اتفاق سلام في بلد نذرت قيادتها نفسها لتوحيد العالمين العربي والإسلامي وها هي تفي بهذا الوعد.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.