حتى لا تظل باكستان وحيدة

د. طلال بن سليمان الحربي

نشر في: آخر تحديث:

الزيارة التي قام بها رئيس وزراء باكستان الجديد عمران خان للمملكة هي الزيارة الأبرز بعد زيارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مايو 2017، وكلاهما زارا المملكة في أول رحلة خارجية بعد وصولهما إلى السلطة. وعلى الرغم من أن أهداف الزيارتين ونتائجهما قد يختلف عليها المحللون، إلا أن زيارة عمران خان تكتسب أهمية خاصة من المنظور الثنائي والإقليمي والإسلامي والاقتصادي.

مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان باستقبال عمران تعبّر عن رؤية سياسية ذكية وفهم واعٍ للتحولات في المنطقة والعالم.

كثيرون ممن لا يحبّون الخير للمملكة أو الذين يعبّرون عن رأيهم الشخصي حاولوا التشكيك في النهج السياسي لنجم رياضة الكريكيت الذي برز بقوة وتغلّب على منافسيه التقليديين الذين كانوا يتبادلون السلطة في باكستان منذ انفصالها وإعلان استقلالها عن الهند في العام 1947. هؤلاء المتشككون تحدثوا عن علاقة عمران خان بإيران وموقفه من حرب اليمن واستضافة المملكة لرئيس وزراء باكستان السابق نواز شريف من عام 1999 إلى 2007 عندما أطيح به في انقلاب عسكري ونفي إلى خارج البلاد.

لكن قيادة المملكة قطعت الشك باليقين، فقد كان خادم الحرمين الشريفين من أوائل الذين هنّأوا عمران خان بفوزه، ثم قام سفيرنا في إسلام أباد نواف بن سعيد المالكي بزيارة مقر زعيم حركة الإنصاف وهنأه بفوزه في الانتخابات، وحمل رسالة من الملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

قيادة المملكة تعرف أهمية باكستان كدولة يبلغ عدد سكانها 181 مليون نسمة، وهي عضو في النادي النووي ومنظمة العالم الإسلامي ودولة مطلة على بحر العرب وتمتلك ثروات طبيعية هائلة، ويعمل مئات الآلاف من مواطنيها في المملكة، وترتبط معها بعلاقات تاريخية هي بحسب وصف الأمير تركي الفيصل "ربما تكون من أوثق العلاقات في العالم بين بلدين من دون أية معاهدة رسمية".

قرار قيادة المملكة باستقبال عمران خان لزيارتها فاجأ المراقبين، فقد أرادت المملكة التأكيد على أن علاقتها بباكستان ليست مرتهنة بأشخاص أو أحزاب أو عائلات بعينها وإنما هي محكومة بمؤسسات وبالعلاقات التاريخية بين شعبي البلدين والروابط والمصالح المشتركة. عمران خان شخصيًا أكد حقيقة دور المملكة المحوري ومكانتها الكبيرة، وقال إن باكستان تقف بقوة إلى جانب المملكة التي وقفت دائما إلى جانب باكستان في الأوقات الصعبة، مؤكدًا وقوف بلاده مع المملكة، خاصة ضد هجمات الحوثيين.

والحقيقة أن ما يجمع بين البلدين أكثر مما يفرّقهما، وقد أكد عمران خان على هذه الثوابت وعلى حرصه للاستفادة من تجربة المملكة في محاربة الفساد، فقد ركز في حملة حزبه الانتخابية قبيل وصوله للسلطة على اقتلاع جذور الفساد والحد من الفقر والقيام بإصلاحات اقتصادية.

لذلك قال إن حملة مكافحة الفساد التي يقودها سمو ولي العهد تدعو إلى الإعجاب، وإن "باكستان بحاجة إلى فعل ما تقوم به قيادة المملكة بالضبط لإنقاذ نفسها من الفساد".

أما ما يقال إن عمران خان قد يقترب من إيران أكثر مما سيقترب من المملكة، فقول بعيد عن الحقيقة، فالرجل قال إنه يريد أن يحافظ على علاقات وديّة مع دول الجوار، وهو في الحقيقة بحاجة إلى مثل هذه العلاقات، والمملكة لا تعارض هذا التوجه، وهي تطبّق هذا المبدأ في سياساتها مع دول العالم.

لكن رئيس الوزراء الباكستاني عندما تحدّث عن علاقات ودّية مع دول الجوار كان يرمي إلى أبعد من ذلك، فهو يواجه مشكلات خطيرة في الداخل تتمثل في التعددية العرقية والطائفية والتطرف الديني واقتصاد ضعيف ومديونية عالية. وهو لا يريد حربًا مع الهند التي زادت من وتيرة تسلحها مؤخرًا بعقد صفقات مع إسرائيل والولايات المتحدة التي أوقفت دعمها للجيش الباكستاني. وهو يعرف أن الحرب في أفغانستان المجاورة لم تجلب لبلاده سوى القتل والاغتيالات والتفجيرات والتطرف. وهو يعرف أيضًا أن ليس لدى إيران ما تقدّمه إلى بلاده سوى تصدير الطائفية، وهي التي جنّدت مقاتلين من الطائفة الشيعية الباكستانية والأفغانية للقتال مع قوات بشار الأسد في سوريا. لهذا فإنه عندما يتحدث عن علاقات ودّية مع إيران، فإنما يريد أن يتّقي شرها ولن تكون علاقته معها على حساب المملكة.

هذا على الجانب السياسي، أما على الجانب الاقتصادي فالمعنيون يعرفون أن هناك فرصاً كثيرة للاستثمار في هذا البلد الإسلامي، وعلينا أن لا ننسى أن الصراع في أفغانستان ليس عقديًا بالمطلق مثلما يحاول المستفيدون من إطالته أن يصوروه، وإنما هو حرب تجارية واقتصادية للسيطرة على ممرات مشاريع مد أنابيب لنقل النفط والغاز إلى منافذ بحر العرب. وعلى المعنيين بشؤون الاستثمار مراجعة التقارير التي أعدها خبراء متخصصون والتي تقول إن منطقة بلوشستان تنام على ثروات طبيعية، مثل منطقة دارفور، وعليهم أن يبدأوا بالبحث عن الفرص، فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على العواطف وإنما على تبادل المصالح.

نحن نعرف أن هذه الزيارة لم تكن زيارة مجاملة وإنما هي زيارة عمل تتطلب المتابعة والتنفيذ السريع لما اتفق عليه الطرفان حتى لا تظل باكستان وحيدة في مواجهة التحديات الكثيرة التي تواجه العهد الجديد.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.