عاجل

البث المباشر

مملكة الحب والسلام

للمملكة يتشبع به الصغير والكبير ويترجم إلى سلوك فاعل يبدأ بمناهج التعليم؛ لتصبح المدارس من رياض الأطفال حتى الجامعة واحات حب وسلام يتنفسه الطلبة صباح مساء، ولن يتغلب الحب على الأنانية التي هي غريزة لدى الإنسان إلا بتهذيبها بالتربية المتوازنة والتعليم الموجه.

في نهاية كل شهر يتجه ملايين من الإخوة والأخوات الوافدين إلى البنوك لتحويل راوتبهم الشهرية إلى بلدانهم لمساعدة أسرهم أو الاستثمار في بلدانهم، فبعضهم يعلم أطفاله وبعضهم يبني بيته أو يشتري سكناً أو مزرعة تؤمن مستقبله ومستقبل أولاده، ومهما كان الراتب ضئيلاً فهو يعني الكثير في بلد نامٍ أصبح للريال السعودي قيمة مضاعفة مقابل عملات تلك البلدان، وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد أخبرني أحد الإخوة من الهند والذي يعمل مستخدماً في المسجد أنه تمكن هذا العام من إدخال ابنته إلى كلية الطب هناك، قال ذلك والفرحة ترتسم على وجهه المتعب كلوحة فنية جميلة وهو يخبرني بذلك.

للمملكة مكانة خاصة ليس على مستوى العالم العربي والإسلامي، ولكن على مستوى دول العالم أجمع، فقبل أيام أبدت ألمانيا وعلى لسان وزير خارجيتها الرغبة في بذل كافة الجهود لتعزيز العلاقة وتكثيف التعاون بين المملكة وألمانيا في مختلف المجالات، وهو ما يدل على أهمية المملكة بالنسبة لألمانيا، وهي الأكبر في أوربا والثالثة على مستوى العالم بالنسبة لحجم الصادرات وجودة المنتجات، كما يدل على قدرة الدول الكبيرة على مراجعة المواقف وتصحيحها حين يتبين لها خطأ المواقف السابقة، والأجمل منه قبول المملكة وترحيبها بتصريح وزير خارجيتها، فالعلاقة بين المملكة وألمانيا علاقة تاريخية واستراتيجية مهمة للبلدين، ولكل منهما دور مهم لتحقيق الأمن والسلام والاستقرار على مستوى العالم.

التقارب بين الدول والشعوب يتم بطرق ووسائل كثيرة منها الاقتصاد والمواقف السياسية والسياحة وغيرها، لكن من أهمها القوة الناعمة المتمثلة في العلوم والفنون والرياضة، وعلى سبيل المثال فقد كنت في زيارة لبولندا ضمن وفد لجنة الصداقة السعودية - البولندية في مجلس الشورى، ومن أهداف الزيارة الاجتماع مع بعض أعضاء الحكومة والبرلمان البولندي لتقوية العلاقات وشرح مواقف المملكة من حقوق الإنسان وغيرها والإجابة على تساؤلاتهم، وقد لمسنا أثناء الزيارة مدى محبة الشعب والحكومة البولندية للمملكة حيث بدأ التقارب الحقيقي في عهد الملك عبدالله - رحمه الله - حين أمر بإجراء عملية فصل توءمين من بولندا وإحضارهما إلى المملكة، حيث تكللت العملية بالنجاح واستمر التواصل بعد ذلك.

قبل أيام تم في جدة وبرعاية الملك سلمان توقيع اتفاقية مصالحة بين إثيوبيا وإريتريا وإنهاء قطيعة استمرت أكثر من عشرين عاماً تخللها الكثير من المناوشات وإغلاق الحدود، ثم اجتمع الملك مرة أخرى مع رئيس جيبوتي للمزيد من التقارب بين تلك الدول الثلاث؛ ولينعم القرن الأفريقي بالأمن والسلام والتعاون والرخاء.

يقول (إدموند بوركي): «لكي ينتصر الشر، وجب ألا يفعل رجال الخير شيئاً» فأصعب شيء هو أن يصاب ذوو النوايا الحسنة والجهود الطيبة بالإحباط والتخلي عن الرغبة في الإصلاح وهو ما لم يحدث لقادة المملكة رغم كثرة العوائق والتحديات، فقد استمر قادة المملكة في تقريب وجهات النظر بين الأطراف المتنازعة في أكثر من مكان كأفغانستان وفلسطين ولبنان والصومال واليمن وغيرها.

لقد تجاوزت المملكة في عهد الملك سلمان تلك الأيدولوجيا الطارئة على ديننا والحاثة على الكراهية للآخر المختلف وأصبحت المواطنة هي الأساس، والعدل والإنصاف والحب والتسامح هي اللغة السائدة في المجتمع وإن كان التغيير بطيئاً إلا أنه حاصل لا محالة مع الصبر والحكمة والمتابعة.

الحب والسلام يجب أن يكونا شعاراً للمملكة يتشبع به الصغير والكبير ويترجم إلى سلوك فاعل يبدأ بمناهج التعليم؛ لتصبح المدارس من رياض الأطفال حتى الجامعة واحات حب وسلام يتنفسه الطلبة صباح مساء، ولن يتغلب الحب على الأنانية التي هي غريزة لدى الإنسان إلا بتهذيبها بالتربية المتوازنة والتعليم الموجه.

المجتمعات الحية في العالم تتواصل فيما بينها من أجل مصالحها المادية والثقافية والمنجزات الحضارية والتكنولوجيا، أما المجتمعات المنغلقة على ثقافة الكره للآخر والتي تسعى للهدم والتآمر ومحاولة تصدير ثقافتها وفكرها الهدام فتبقى حبيسة تلك الثقافة والأفكار المتحجرة والسياسة التي تقودها في النهاية إلى السقوط والفوضى.

عالم اليوم مليء بالتحديات والحروب والتباعد ولا حل لذلك سوى استمرار جهود السلام، كالذي تقوم به المملكة وهي سياسة سارت عليها منذ مؤسسها الملك عبدالعزيز - رحمه الله - ثم واصل أبناؤه تأصيل هذه الفكرة العظيمة وهي السلام المبني على القوة والعدل والقيم النبيلة.

نقلاً عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات