لا مفر أمام إيران من العقوبات الاقتصادية

د.عبدالرحمن الجديع

نشر في: آخر تحديث:

تبرز أهمية النظر للوضع الإيراني من خلال حقيقة أنّ منطقة الشرق الأوسط عموماً والدول العربية على وجه الخصوص، تشهد تحولات مهمة في مسارات الدبلوماسية الثنائية للدول الإقليمية والسياسات الدولية في المنطقة ككل.

لذا فإنّ الاتفاق النووي الإيراني يأتي في ظل تطورات خطيرة أصابت العديد من دول المنطقة ابتداءً مما يسمى بالربيع العربي وانتهاء بالأحداث الداخلية التي تعصف ببعض الدول العربية مثل سوريا.

ولا شك في أنّ من أهم هذه التحولات هو الاتفاق الذي تم التوصل إليه بعد مفاوضات مضنية في 14 تموز (يوليو) 2015 في فيينا مع الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن P5+1 حيث عرف هذا الاتفاق في المصطلح JCPOA , وقد دعم هذا الاتفاق بقرار مجلس الأمن 2231 شريطة أن تُخضع إيران جميع منشآتها وبرامجها النووية للمراقبة من قبل الوكالة الدولية للطاقة الذريةIAEA ، ولقد كان لإدارة الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما مقاربة فاعلة ومؤثرة للتوصل إلى هذا الاتفاق، إضافة إلى ذلك تبلورت لدى دول الاتحاد الأوروبي قناعة بأهمية هذا الاتفاق، وضرورة المضي فيه انطلاقاً من نظرتها الاستراتيجية للمنطقة وأخذاً بالاعتبار مصالحها الاقتصادية مع إيران.

بيْد أنّ الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترمب انتهجت سياسة مغايرة تختلف عن الإدارة السابقة وأعلنت الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران في 8 من أيار (مايو) 2018 مؤكدة أنّ الاتفاق يعاني من مثالب وثغرات كثيرة ينبغي النظر فيها بعمق، ويأتي في مقدمتها إيقاف دعمها للإرهاب والجماعات الانقلابية المارقة، وإيقاف تطوير قدراتها الصاروخية الباليستية، وتغيير سلوك إيران حيال تدخلاتها بدول المنطقة وزعزعة الاستقرار في هذه المنطقة الحيوية من العالم.

وفي ضوء هذه التطورات انبرت دول الاتحاد الأوروبي، وفي مقدمتها فرنسا وألمانيا، لإقناع المجتمع الدولي بأهمية الحفاظ على هذا الاتفاق، باعتباره يحول دون تمكين إيران من تطوير قدراتها النووية، وبدونه ستتمكن إيران عبر مفاعلاتها النووية من الوصول الى القنبلة النووية.

تنطلق سياسات دول الاتحاد الأوروبي من عدة عوامل تدفع بها للإصرار على هذا الاتفاق، وبالتالي المضي فيه بالرغم من المعارضة الأمريكية المعلنة. ولعل أهم هذه العوامل يدخل في إطار رغبة دول الاتحاد في توسيع التعامل مع إيران اقتصادياً مما يكون له انعكاسات إيجابية على المصالح الاقتصادية والمالية لأوروبا. كما أنّ هذا الاتفاق سيفتح الساحة الإيرانية للاستثمارات الأوروبية، وربما ينعكس أيضاً على قضايا أخرى تهتم بها مثل حقوق الإنسان في إيران. ومع هذا لابد من القول إنّ دول الاتحاد الأوروبي في خلفية قرارها هذا تحاول التحرر من عقدة الهيمنة الأمريكية على القارة منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية، عبر الاستقلال الذاتي الاستراتيجي strategic Autonomy، وهو الأمر الذي سبق أن دفع فرنسا الديغولية للانسحاب من حلف شمال الأطلسي الناتو عام 1966 ولم تعد إلا بجهود الرئيس السابق ساركوزي عام 2009 .

دول الاتحاد الأوروبي بقيادة فرنسا وألمانيا، وبالتعاون مع الصين وروسيا، تحاول جاهدة الإبقاء على الاتفاق النووي، والبحث عن مخارج للعقوبات الأمريكية الحالية والمنتظرة التي ستفرض على إيران في 4 من الشهر المقبل، ومن هذه المخارج المقترحة بلورة آلية لدفع بديلة عن البنوك، وذلك عبر مبدأ المقايضة أو barter للالتفاف حول هذه العقوبات، وتمكين إيران من تصدير نفطها .

وفِي ضوء هذه الوقائع تشير المعطيات إلى الصعوبات الواضحة التي ستصطدم بها الدول الأوروبية، وتكفي الإشارة إلى قرار الكثير من الشركات الكبيرة مثل شركة بيجو وجنرال إلكترك وبوينغ وتوتال، وغيرها ممن أعلنت استجابتها وانصياعها للعقوبات الأمريكية وأنها ستنسحب من إيران.

بالتالي فإنّ الجهود الأوروبية ومعها الإيرانية للتسويق لهذا الاتفاق مآلها الفشل بدون الموافقة الأمريكية. أضف إلى ذلك أنّ الدول الأوروبية ستصطدم أيضاً بواقع الأمور متى كشفت إيران عن أقنعتها الدبلوماسية، وهي أقنعة تفضح حقيقة السياسة الخارجية الإيرانية الداعمة لكافة أوجه الإرهاب، والسائرة برعونة في طريق زعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم.

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.