عاجل

البث المباشر

د.عبدالرحمن الجديع

<p>كاتب ودبلوماسي سعودي سابق</p>

كاتب ودبلوماسي سعودي سابق

طهران وإنستكس: متى تصبح إيران "دولة طبيعية"؟

تشهد ايران أزمات اقتصادية خانقة في ظل المتغيرات المتسارعة والخطوات الدولية ضدها، جراء العقوبات الأمريكية والضغوطات الدبلوماسية لردع طهران عن انتهاج سياسة خارجية عدوانية تجاه المنطقة وأوروبا والعالم.

ولعل انعقاد مؤتمر وارسو الأخير حول السلام والأمن في منطقة الشرق الأوسط، يمثل عملا دوليا مشتركاً لمواجهة التحديات والأزمات في منطقة الشرق الأوسط، إذ شاركت في المؤتمر أكثر من سبعين دولة، وتركزت جل مناقشاته على الخطر الإيراني، والضغط على نظام طهران لتغيير سلوكه السياسي، وأن يكون "نظاماً طبيعياً".

نائب الرئيس الأمريكي مايك بنس شدد في المؤتمر على أهمية تعاون الدول الأوروبية في الملف الإيراني، وردم الثغرات، وعدم الالتفاف على العقوبات التي فرضتها الإدارة الأمريكية الحالية على النظام الإيراني، في إشارة إلى قيام كل من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بإنشاء آلية للتبادل المالي والتجاري مع إيران والتي عرفت اختصاراً بـ "انستكس" (‪Instex‬):
‏ ‪instrument support of trade exchanges‬

"إنستكس" سيكون مقرها، بحسب ما تداولت الأنباء، فرنسا، وستدار من قبل دبلوماسيين من الدول الثلاث، وستتمكن من إتمام العمليات التجارية مع إيران، دون الدخول في تعاملات مالية مباشرة، إذ يمكن أن تقوم إيران ببيع النفط إلى أوروبا نظير استلام شحنات من الأدوية والأغذية التي تنتجها الشركات الأوروبية.

ولعل إطلاق مثل هذه الآلية يسهم بلا شك في تخفيف حدة العقوبات المفروضة على طهران، وبالتالي تقويض فعالية تلك العقوبات، رغم حسن ظن الدول الأوروبية التي حددت الآلية في التعامل، حصرياً، مع قطاعات مثل الدواء والغذاء، وأنها ترتبط بسيادة الدول ولا تخضع للمساءلة والرقابة الدولية مثل البنوك أو الشركات الخاصة.

ونظراً لاستقلالية هذه الآلية، فإنّ ذلك يسمح للدول الثلاث بإنقاذ إيران التي تمر حالياً في أصعب وأكثر الظروف الاقتصادية إحراجاً، من تبعات العقوبات التي شلت كافة المنتوجات الصناعية، وحرمت إيران من التبادل الاقتصادي مع الدول الأخرى. ويكفي الإشارة إلى فعاليات هذه العقوبات، بالرغم من المكابرة الإيرانية، في تدهور سعر صرف الريال الإيراني أمام الدولار، وانخفاض تصديرها للنفط من 2,3 برميل يومياً إلى 1,3 برميل يومياً؛ أي بمعدل مليون برميل يومياً، وهذا دون ريب يهز الاقتصاد الإيراني لاسيما وأنّ 80% من العملات الصعبة تأتي من صادرات النفط؛ وهو ما يمس صلب الاقتصاد الإيراني.

في المقابل، ما زالت إيران، وبعد مضي أربعين عاماً على "الثورة"، تمارس سياسة الثورة لا الدولة، وهو ما أثبت للعالم بأنها دولة فاشلة اقتصادياً، ومارقة على القانون الدولي، وأنّ سلوكها السياسي في المنطقة وخارجها يمثل خرقاً للمسلّمات الدولية والمواثيق العالمية، وتهديداً للأمن والاستقرار في المنطقة.

ردع إيران من الاستمرار والغلو في زعزعة منطقة الشرق الأوسط، وحماية الشعب الإيراني من هذا النظام الجائر الذي يربض على صدره ويصادر آماله، أمر ينبغي على المجتمع الدولي التصدي له، إذا كان حقاً ينشد تكريس النماء والازدهار في هذه المنطقة المضطربة التي حوّلتها ممارسات نظام الولي الفقيه إلى "عصف مأكول".

لقد حاولت طهران وما انفكت، توظيف "الخلاف الأمريكي الأوروبي" في هذا الملف لمصلحتها، وإحداث مزيد من الاختراقات في الجدار الدولي، إلا أنّ حساباتها آيلة إلى الخسران، والعالم كله يراقب النزعات الشيطانية الإيرانية لتطوير أسلحتها البالستية، وملفها النووي، وفي هذا السياق أعلن الاتحاد الأوروبي مؤخراً عقوبات جديدة ضد طهران بسبب برنامجها الصاروخي‪.‬ وتدرك الدول الأوروبية التي انخرطت في آلية "إنستكس" التهديدات التي تحدق بالعالم جرّاء النزعة العداونية الإيرانية، ولكنّ آليات المصلحة البراغماتية تطغى على المبادىء أحياناً، لا سيما بعد ثبوت تورط أجهزة استخبارات نظام الملالي في تنفيذ اغتيالات في كل من فرنسا والدنمارك وهولندا، ما يؤكد، بلا أدنى ريب، أن الشر كامن وأصيل في هذا النظام الخارج عن نواميس الدول والقوانين والأعراف.

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات