مساحة خاصة بالمرء وحده!

نبيلة حسني محجوب

نبيلة حسني محجوب

نشر في: آخر تحديث:

كما توجد مساحة من الحرية بين الفعل وردة الفعل، توجد مساحة بين الشك واليقين، المساحة الأولى ربما تُحسب باللحظة أو الثواني، وهي بين المرء والآخر، ربما تحتاج إلى مواصفاتٍ شخصية، ليتمكَّن المرء من استغلال تلك المساحة، وإدخالها في حوزته، واللعب على مساحتها بصبرٍ وحنكة وروية، لتأتي ردة فعله ضربة قاضية لفعل الآخر العنيف، أو المتطرف أو المتعصب والعنصري، وكأنه يسحب السيف من يد خصمه؛ ويضعه في غمده دون قطرة دم واحدة منه، أو من خصمه، هي هذه المساحة الصغيرة التي يمكن أن تصبح بحجم قارة، إذا تمكَّن المرء من استغلالها بشكلٍ إيجابي، وهي المساحة التي تُحدِّد قدرة الإنسان على التحكُّم في مشاعره وانفعالاته.

المساحة بين الشك واليقين مزروعة بالخوف والقلق والصراع مع الذات، هذه المساحة ربما تمتد من مرحلةٍ عمرية إلى أخرى، وربما إلى آخر العمر، لأنها مساحة خاصة بالمرء وحده، هي هذه إشكالية المساحة بين الشك واليقين، يمكن أن تنبت أزهاراً ووروداً وياسمين، ويمكن أن تنبت شوكاً وحنظلاً وشياطين!

عندما يُراود المرء شكًّا في حياته ومساراته وانتماءاته، ليس ذنباً أو خطأ، فالأنبياء قادهم الشك إلى اليقين، وكثير من العلماء والمُفكِّرين قادهم الشك إلى اليقين، لأنَّ لديهم قدرة على استغلال مساحاتهم الخاصة بالتأمل والتدبر، وطرح الأسئلة وفرز الأجوبة حتى الوصول إلى يقينٍ يزيل عنهم كل شوائب الشك، وتنجلي الحقيقة ساطعة كضوء الشمس؛ «فلما جنَّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين»، وظل سيدنا إبراهيم -عليه السلام- يُراقب السماء «هذا ربي» «هذا أكبر»، فلما أفل ارتقى ذروة الحقيقة بقلبه وعقله معاً.

د. مصطفى محمود، أمضى شطراً طويلاً من عمره، يجتاز تلك المساحة الفاصلة بين الشك واليقين؛ عن طريق صراع الوعي، شرط الانتقال من حالةٍ إلى حالة!

صراع الوعي هو الذي أضاء المسافة من الشك إلى اليقين، وفتح مغاليق الفِكر، فأطلقه يتأمَّل ويتدبَّر، فانتهت رحلة الشك إلى محطة الإيمان العميق بالله، ولم يتركها تمضي دون رصدٍ وتحليل وتسجيل، في كتابٍ جميل بعنوان: «رحلتي من الشك إلى الإيمان».

كل الفلاسفة على مر الأزمان، اجتازوا تلك المساحة من الشك إلى اليقين، في صِدق نظرياتهم ورؤاهم، ربما عبْرَ طرق كثيرة متنوعة، لكنها دائماً تبدأ من بوابة الشك!

العلماء أيضاً لابد لهم من المرور من بوابة الشك وقطع المسافة إلى بوابة الاكتشافات العظيمة التي غيّرت مجرى التاريخ، الشك بداية الطريق إلى المعرفة بالله وبالنفس والكون.

في العلاقات الإنسانية، يُمثِّل الشك في نوايا الآخرين وأهدافهم عقبة تُعيق التواصل الحميم، أحياناً يتحوَّل الشك إلى غيمة كثيفة مِن خداع النفس، تحجب الرؤية الصافية في سماء العلاقة، أياً كانت؛ حب، زواج، أو صداقة، يتحوَّل الشك إلى مرضٍ يأكل الطمأنينة، ويحجب استقبال الحقيقة ونور اليقين، كذلك إذا تضخَّمت الثقة في الآخر، فإنها تغلق منافذ الرؤية، خصوصاً إذا اقترب الآخر منك حد التماهي مع الذات؛ فالمجال هنا يبدو ملتبساً.. لأنه يختص بالمشاعر التي ربما تترجم بشكلٍ خاطئ، أو أن بإمكان الخائن أو المخادع الالتفاف عليها، فيُظهر غير ما يُبطن، فيقع الآخر فريسة للشك في نضوج مشاعره والتباسها وقدرتها على تلقي الإشارات بوضوح!!

المشاعر لديها قدرة على الاكتشاف المبكر لحالات الكذب والخيانة، لكن الإنسان -أحياناً- يُكابر لحاجةٍ في نفسه، لا في نفس يعقوب! الالتباس يحدث في الحياة والعلاقات، فمهما وصلت إلى حالة من اليقين، فهي لن تكون بنسبة 100%، فاليقين هو الحقيقة، والحقيقة نسبية كما يقولون!

هذه المساحة الخاصة بالمرء وحده، هي التي تقع في حوزته، فلا يسمح للعابثين ببذر بذور الشر، وإيقاد جذوة الصراع مع الذات بالأفكار المسمومة والأكاذيب والافتراءات، لكن صغار السن والشباب ربما ليس لديهم القدرة على استغلال تلك المساحات بشكلٍ إيجابي، لذلك تصبح مسؤولية البيت والمدرسة والجامعة، لا الاستحواذ على تلك المساحات، بل إلقاء البذور الصحيحة دون فرضٍ أو إجبار!.

* نقلا عن "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.