إبراهيم العمار

نشر في: آخر تحديث:

أتى أحدهم لأحد العلماء فسأل: ما تقول في كذا؟ قال: لا أعلم. قال: أنت العالم وتقول ذلك؟ قال: إن لا أعلم نصف العلم. قال: فقلها مرتين وأصبتَ العلم كله!

في أوائل القرن العشرين كان التفاؤل العلمي على أشُدّه. العلم يتسارع، الاكتشافات تتوالى، العلماء يبدعون، الواقع تعاد كتابته. جيمس ماكسويل كان قد أتى بنظرية الكهرومغناطيسية، تجارب ألبرت ميكلسون وإدوارد مورلي على سرعة الضوء قلبت المفاهيم، وتتابع العباقرة، ألكسندر بيكرل (الإشعاعية)، ماكس بلانك (عزل الظواهر الكمية)، آينشتاين (النسبية الخاصة والعامة)، ويرنر هايزنبيرغ ونيلز بور أتيا بالفيزياء الكمية وهي ثورة عملية عارضت كل مبادئ نيوتن المقدسة.

لكن.. كلما زادت تلك الاكتشافات زادت حيرتنا! كانت تصنع أسئلة أكثر مما تجيب. المتفائلون بحل ألغاز الكون اتخذوا اليأس رفيقاً الآن. صار العلم بحراً من الغموض واللا شخصية. لم يسبغ العلم الطمأنينة التي كان ينشدها الأوروبيون لما نبذوا الدين، بل زادهم عدمية وشكاً. تلك الثورات العلمية أول القرن العشرين ألهمت الفيلسوف النمساوي كارل بوبر، والذي أيد حرص العلم على التجربة المستمرة والموضوعية الصارمة، إلا أنه نبه إلى شيء شائق: أن العلم لا يسير كما يظن العلماء، أي بشكل نظامي تراكمي قائم على جمع الحقائق المثبتة. إنه لا يتطور إلا إذا أتى العالم بفكرة جريئة حالمة لا تكاد تختلف عن التخمين، وثم وضع كل أمله وجهده ليبرهنها. أكثر عبارة سمعها الناس من الفيلسوف النحرير بوبر: إننا لا نعلم أي شيء.

وعدنا للبداية! "لا أعلم". عبارة يقولها الناس في أشد ظلمات الجهل هي التي يقولها فطاحلة العلم في أعلى درجات المعرفة. حلقة الحياة المفرغة تبدأ في المربع 1 وإليه تعود.

في الآية: "وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً". إلا أن البعض يحتاج 1400 سنة ليدرك ذلك.

*نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.