أطفالنا وضبابية الهوية الوطنية!

منى العتيبي

نشر في: آخر تحديث:

عشنا نحن جيل الثمانينات والسبعينات طفولتنا في البحث عن المعرفة والاكتشاف من خلال الألعاب الإلكترونية البدائية والحكايات الشعبية التي لها معنى وحكمة، وكذلك قصص الطفولة التي كانت تصدر من البلدان العربية كقصص جحا وبرامج التلفاز المتنوعة.. أذكر كنا نقطع أنا وصديقتي مسافات ومسافات هربا من بيوتنا نحو مكتبة على قارعة الطريق لنشتري قصصا مليئة بالصور والحكايات ذات الثراء المعرفي.. كان كل ما يقع في أيدينا وما نشاهده يمثل لأهالينا حالة اطمئنان وثقة من حيث المحتوى المطروح، لأن ذلك يظهر على سلوكنا، لغتنا، أفكارنا.

الآن لم تعد مصادر أدواتنا المعرفية هي ذاتها.. تطورت المصادر فأصبح الطفل صاحب السنتين والثلاث من عمره يثقف التعامل مع مصدر معلوماتي مهم وشاسع في المدى المعرفي ألا وهو الجهاز الذكي (Smart Phone) .. فعبره يعبر الزمان والمكان ويتجول من برنامج لآخر يستقبل كما هائلا من المعلومات تساهم في بنائه المعرفي وتربيته السلوكية والفكرية وتؤثر عليه بما يتلقاه من أفكاره.. كل ذلك يحدث بجهل سواء كان كلياً أم جزئياً من قبل الأسرة، فالأسرة المتفرغة كلياً لأطفالها مهما بلغ تكثيفها للمتابعة والمراقبة المسؤولة لن تستطيع أن تُحيط بكل هذه البرامج وتلك الـ(Applications) ولن تستطيع أن تلم شتات مصادر المعرفة التي يتلقاها طفلها وسط هذا الفضاء المنفتح الذي يحمل أغلبه محتوى معلوماتيا وفكريا لا يتناسب مع أبجديات التربية في مرحلة الطفولة (Childhood).

نحن في عصر التقنية (Technical era) ونرى أطفال اليوم منذ سنواتهم الأولى يستطيعون أن يديروا معارفهم بأنفسهم ويختاروا برامجهم بضغطة زر (Press button) قد تُفسد القيم التي تسعى إليها أسرهم ومجتمعاتهم والإنسانية أجمع.. والمعضلة بتصفح سريع لأغلب البرامج سنجد رسائل موجهة للأطفال بعيدا عن القيم المفترض زرعها في مرحلة تمثلهم.. خاصةً تلك الرسائل المحرضة على الأسرة التي تحاول هدم الانتماء الأسري والوطني وتحاول جاهدة زرع فكرة الأنا بصورة مثقلة بالسلبية.

في كثير من برامج التواصل الاجتماعي (Social Media) وخاصةً اليوتيوب وبرامج (Electronic Games) تُدار حوارات بين الطفل والمحتوى المطروح سواء بشكل ضمني أم واضح وصريح مع طرف آخر، وتُستخدم معه أساليب مهارية عالية في ترسيخ المحتوى ضمن قناعات الطفل؛ لتكبر معه حقيقة مطلقة من الصعب جداً أن يتخلص منها الطفل ولو اشتغل المجتمع بمؤسساته التربوية كلها على محاولة التخلص منها.

نحتاج مع كل هذا إلى فريق يعمل على دعم هذه الأجهزة ببرامج من أفكارنا، من قيمنا، من هويتنا، من وطننا تغذي عقول أطفالنا وتربي سلوكهم نحونا.. نحو قيمنا ومبادئنا.. نحو وطننا..

نحتاج فريقا يعمل جنبا إلى جنب مع أسرنا ومناهجنا ينشر كل ما يعود بالنفع إلى أطفالنا مستقبلاً..

نحتاج برامج ذات محتوى معرفي ومعلوماتي وقيمي نضمن معها تجول أصابع أطفالنا الصغيرة وعقولهم الإسفنجية.. نحتاج الأمان الفكري التقني.

نقلاً عن "عكاظ"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.