السفر موت صغير؟!

نبيلة حسني محجوب

نبيلة حسني محجوب

نشر في: آخر تحديث:

لا أعرف لماذا داهمني هذا الإحساس وأنا أنجز كل مهامي استعداداً للسفر، شعرت بغربة ورهبة مع أني دائمة السفر، الإحساس بالخوف على أحبتي والشوق لهم ربما يتكرر لكنه لم يدخلني في دوامة التفكير، واستعارة مشاعر من يغادر الدنيا، لا أحد يعلم ماهي مشاعرهم، ربما لذلك نزداد حزناً عليهم، لا أحد يعلم ما مروا به ومر بهم في رحلة الانتقال من الدنيا إلى الآخرة، لا أحد غادر الدنيا يمكن أن ينبئنا عن مشاعره، فهو بين أيادي الله سبحانه وتعالى، هذه التجربة الذاتية التي لا نعلم عنها شيئاً، تظل هاجساً مؤرقاً للأحياء لذلك قال سبحانه وتعالى: «ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً» 85 الاسراء.

كل منا لا بد أنه مرَّ بتجربة الفقد، أو الرحيل المباغت لأعز الأحبة، وربما لازالت تلك التجربة موشومة في حياته، ولا زال يعاني من تبعات هذا الرحيل الذي يقطع عنك أخبار من رحل، وفي ذات اللحظة يقطع عنه أخبارك، فلا يعرف أنك بكيته دماً متدفقاً من عمق القلب لا دمع المقل، وأنك لم تنسَ ابتسامته ولا رائحته، ولا ذكرياتك معه، وأنه وحده متربع على عرش الذاكرة بينما تسقط الأسماء والأشياء والوجوه والكلمات والمناسبات والضحكات والقهقهات وكل شيء كان مختزناً، لأن لا مكان في القلب والعقل إلا لمن رحل، شوق يتجدد كل يوم بل كل لحظة، وفي كل مناسبة تشعر أن لا شيء يكتمل فرحاً أو حزناً لأنه لا يبلغ مسامعه ولا يحيط به علماً.

لحظة دخول رمضان وقدوم الأعياد يزداد الشوق والحنين وتشعر أن فرحتك لم تكتمل، وأن الأحزان في قلبك أكبر من قدرتك على النسيان، وأنك جسد يتحرك لكن قلبك يتمزق ألماً وقهراً لأنك فقدت بهجة مشاركة المناسبة مع من رحل.

لماذا هذه المرة أشعر حقاً بأن السفر وجهٌ من أوجه الموت، يمكن أن يكون السفر أيضاً « موتاً صغيراً» لا يشبه عبارة أحد أقطاب الصوفية «محيي الدين بن عربي» ولا رواية محمد حسن علوان «موت صغير» التي حصدت جائزة بوكر العربية 2017م، بل هو حالة انفصال عن حياتك المعتادة، بعد أن تنهي كل متعلقاتك، تحاول تسديد ديونك حتى تلك الصغيرة، وتشعر لحظتها بالغربة،

ربما لأن الجميع تمنى لك السلامة وانشغل بحياته، وأنت تغادر كل ما اعتدت عليه، ربما لأني أغادر بيتي وأسرتي وأهلي وأصدقائي ومسؤولياتي، لكن كأني في النفس الأخير أحاول أن أعبئ بصري برؤية أحبتي والجلوس معهم حسب وقتهم رغم أن وقتي لم يكن يسمح بهذه الرفاهية وإعطاء أحبتي الوقت الذي يروق لهم، كنت دائماً على عجلة من أمري، أركض في كل اتجاه، مسؤوليات اجتماعية ثقافية أسرية، وقت للرياضة وآخر للاسترخاء والعناية، وقت للقراءة ومتابعة الأخبار، كل هذا يستنفد وقتي، لكني اليوم شعرت بفراغ وأنا أنجز آخر مسؤوليات البيت قبل رمضان، طاف بذهني هذا المعنى، أكد لي إحساسي بالعزلة أننا في الطائرة ساعات تفوق العشر كالقبر، رغم توفر خدمة الانترنت والتواصل عبر الواتس إلا أنها مرحلة محدودة وأنت عليك أن تمارس عزلتك في الحيز المحدد بينما الفراغ يلهو بصبرك ويداعب أعصابك، رغم أني في هذه الرحلة برفقة ابنتي إلا أن هذا الإحساس داهمني لأول مرة رغم أني قطعت هذه المسافات وحيدة مرات كثيرة وأحياناً عبر محطات مختلفة، لم يراودني مثل هذا الإحساس، ورمضان أيضاً ليس الأول الذي أستقبله بعيدة عن وطني وأهلي وأحبتي.. لكنها مجرد مشاعر تبددت لحظة وصولى وتواصلي مع أحبتي، رغم ذلك ظل هذا المعنى يخاتلني فأحببت مشاركتكم ربما منكم من يوافقني في رؤيتي.

*نقلاً عن صحيفة "المدينة"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.