عاجل

البث المباشر

رمضان وعبق الذكريات

عندما كبرنا، وجدنا أن معالم رمضان، زادت على ما ألفناه، من الأكل والشرب، والملابس والعادات، التي سادت ثم بادت؛ أضيفت إليه ألوان جديدة/ قديمة، أبرزها أحاديث الشيخ «علي الطنطاوي» رحمه الله؛ كان الرجل يطل علينا، طوال الشهر الفضيل، أمامه ديكور بسيط، وبجانب الديكور، «مسجل» أكثر بساطة، كان عندما يختم حديثه، يستخرج منه الشريط، الذي سجل عليه «الحلقة»، ولابد أنه كان يضعه في جيبه، ليعمد إلى غرسه في «المسجل» مرة أخرى، حتى ينتهي، فيضع شريطاً آخر، وبذلك فإنه يضمن، وضع أحاديثه في حرز مكين، للاستعانة بها متى ما أريد، تفريغها على الورق. وما يفعله «الطنطاوي» ربما كان يقوم به عمنا «محمد حسين زيدان» رحمه الله. الفرق بين هذا وذاك، هو تميز «الطنطاوي» بالحرص عكس «الزيدان»، الذي لم يكن حريصاً، في جمع مقالاته وأحاديثه الكثيرة، في الإذاعة والتلفزيون والندوات. أحاديث يومية، كنا نجلس إليها بشغف، بعد إفطار كل يوم؛ بعد الاستغناء عنها بسنوات، انصرفنا طوال شهر رمضان، إلى سيل من المسلسلات، الإذاعية والتلفزيونية، أكثرها لا يربطها رابط بشهر رمضان. ألوان من اللهو الخفي، قد يصرف بعض الناس عما اعتادوه في رمضان، من الزيارات الأسرية ومجالسة الأصدقاء، والتجول في الأسواق، ومع هذه المسلسلات كان هناك عديد من برامج المسابقات، بعضها يحضرها كضيوف ومحكمين، عديد من أهل الفن والطرب، وكل هذه الملاهي لها من الرعاة أغلاهم،، يدفعون الملايين لتمرير معلومة أو صورة، عن سلعة من السلع التجارية، تسأل هل لا يكون رمضان جذاباً، إذا لم تحفه مثل هذه الملاهي؟ فلا تجد جواباً، على سؤال أو استفسار!

والشيء الغريب الذي لم آلفه صغيراً، هو نوم الناس، حتى وقت متأخر من النهار، في شهر رمضان؛ بل إننا أصبحنا نضع موعداً متأخراً لدوام المدارس والدواوين، بحجة أننا لا ننام إلا بعد السحور وصلاة الفجر، وكأن الناس كانوا لا يصلون الفجر، إلا في شهر رمضان! هذه العادة الجديدة نسبياً، لم يكن لها وجود في جل الدول الإسلامية، فأوقات العمل والمدارس، والالتزامات كافة لا تغيير عليها؛ وأذكر أن العمال في «المدينة» في تلك الأيام كانوا يذهبون لقضاء أعمالهم، بعد صلاة الفجر مباشرة، وحتى أذان الظهر، عندما يحل رمضان صيفاً، وبعد ذلك يعودون إلى منازلهم، وقد تحللوا من التزامهم اليومي؛ لا تأخير بل تبكير؛ الغريب أن العديد من الأسواق في المدينة المنورة ومكة المكرمة، باتت منذ سنوات، تستأنف أعمالها بعد صلاة الفجر، حتى أذان الظهر، لتغلق أبوابها بعد ذلك، إلى ما بعد صلاة العصر، والنتيجة النهائية، أن حياة الناس كانت تنقلب رأساً على عقب، في شهر رمضان بالذات، وهو ما لا يراد لهذا الشهر الفضيل. وأسأل نفسي؛ هل أستطيع تنفيذ كل هذه النصائح والتعقيبات على نفسي، في هذا الشهر الفضيل؟ أرجو ذلك. كل رمضان وأنتم بخير.

*نقلاً عن صحيفة "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات