عاجل

البث المباشر

النسوية موضوعيًّا بعيدًا عن قميص عثمان

ينقل عن الكاتب الساخر والمسرحي الجاد توفيق الحكيم قوله إن وطيسًا قد حمى بين مرشحَين كانا يطمحان لمركز العمودية في ريف مصر, وفي محاولة من أحدهما للاستحواذ على المشهد، والفوز بالمنصب، قام بمحاولة طعن الآخر بتحويل شعاره الانتخابي إلى سلاح ضده؛ فصار يدور في المجالس، ويقول للناس: هل تعرفون معنى الديمقراطية التي يدعو لها منافسي؟ معناها السعي لأن يكون كل منكم ديمقراطيًّا. ومعنى ديمقراطي أن «حلالك يصير حلالي». وبهذا لم تتلطخ سمعة المنافس بل تلطخت سمعة الديمقراطية، وحظيت بعداء مجاني وباهظ في الوقت نفسه، وهو عداء الجهل.

وللأسف، بعدما يزيد على نصف قرن من تلك الحكاية النقدية، وما جرى على امتدادها من نضالات وهزائم في محاولة الخروج على التخلف في الوطن العربي بإعادة الاعتبار إلى الحقوق الإنسانية في الكرامة والعدل والتعليم والعمل، والخروج على الطاعة الرعوية بالمشاركة المدنية في الشأن العام, لم تزل كل المفاهيم والمصطلحات القديمة والمستجدة التي تعبِّر عن تلك الحقوق أو تطالب بتوطينها قانونيًّا وثقافيًّا تعاني من الاغتراب؛ وربما لذلك نجد أن هناك مواجهات لا تهدأ، تمتد من الديمقراطية إلى النسوية وما بينهما من مفاهيم المجتمع المدني وسلطة القانون.

اليوم يتعرض مصطلح النسوية للأبلسة، وللأسف من بعض من استفادوا منه، ومن بعض المحسوبين عليه. ويبدو أن الهدف شبيه بمثال الحكيم أعلاه، وهو الحصول على حظوة بتثمين الذات الذي يبدو وكأنه لا يتحقق إلا بتبخيس آخرين. وليس ذلك صعبًا، بل يبدو المستهدف فريسة سهلة المنال في مناخ لا تزال فيه المفاهيم والمصطلحات الحقوقية تعاني من الاغتراب، وتستبعد من عمليات التوطين مما يبقيها في منطقة قابلة للتشكيك؛ وهذا ما يجعلها جاهزة للاستعمال في الموقف ونقيضه؛ فتكون صالحة للإقصاء، وصالحة للتلويح بها.
فعلى الرغم من أن عمر فتح باب الجامعات للبنات بمجتمعنا - وإن تأخَّر - اليوم يشارف نصف قرن, وعلى الرغم من وجود عدد كبير من أقسام العلوم الإنسانية والتربوية المنضوية تحت مظلة كلية الآداب وكليات التربية، وعلى الرغم من وجود مراكز للبحوث، بل مؤخرًا إنشاء مرصد للمرأة، فلا يزال هناك تردد واضح في إنشاء قسم صريح باسم دراسات نسوية، أو جعله جزءًا من عدد من الأقسام، كالعلوم الاجتماعية أو التربية أو اللغات. وهذا الفراغ العلمي في مجال الدراسات النسوية ليس إلا سببًا بقدر ما هو نتيجة لموقف ملتبس من قضايا حقوق النساء التي يمثلها مصطلح النسوية بما يكرس إمكانية تقليبه بين وظائف عدة، ليس في أي منها موقف واضح في أخذ حقوق النساء على محمل الجد المحسوم لصالح المجتمع، ولصالح الرجال، ولصالح النساء، بما لا رجعة عنه، أو لا تردد فيه.

وهذا الفراغ التوعوي بحقوق النساء وما ينجم عنه من عدائية «عميانية» للنسوية، تعجز عن إدراكها البسيط كأداة تمكين للنساء، هو بعض مما يعيق وضع تلك الحقوق في منظومة قانونية قابلة للتطبيق والتداول. وهو فراغ لا يقتصر على الفراغ العلمي بالجامعات، بل إنه فراغ عميق في شتى مجالات الثقافة.. فلا توجد - على سبيل المثال - مجلة علمية واحدة عندنا تُعنى بالدراسات النسوية، ولا يوجد برنامج معرفي واحد عبر القنوات التلفزيونية الكُثر يهتم بتقديم عمل جاد مستدام في مجال الوعي النسوي خارج تلك الحفنة من برامج «الكوكتيل الحريمي» التي قد يجتهد معدوها ومقدموها في تقديم لمسة هنا أو رشة هناك. هذا إضافة لهوة هذا الفراغ بشكل مريع في المناهج التربوية وفي السلوك اليومي تجاه النساء، بما فيها موقف المرأة من نفسها، وموقف النساء من النساء بما ينقصه نظرة الاحترام لذات الأنثى كإنسانة راشدة عاقلة كاملة الأهلية كاملة التكليف.
والسؤال، أو بالأحرى حزمة الأسئلة التي سأختم بها هذا الجزء من المقال؛ لأجيب عنها في مقال الأسبوع القادم هي الأسئلة الآتية:
ما هي النسوية؟ هل هي حقًّا فاكهة محرمة؟
هل هي مدية ليطعن بها أحدنا الآخر في ظهره أو في وجهه؟
هل هي نبتة شيطانية أو سلعة مستوردة فتاكة؟
هل هي سلاح لتجريد النساء المطالبات بالحقوق من خصائصهن الربانية واتهامهن بالاسترجال أو «توصيمهن» بتصنيفات اجتماعية بعد شحنها بحمولات تبخيسية بتوصيفهن بالعوانس والمطلقات؟.. الخ
لماذا جرى ويجري أبلسة مصطلح ومفهوم النسوية؟
ما الذي كان سيكسبه العالم لو استطعنا إيقاف العمليات اليومية الجارحة التي تعمل على تحويل الطفل من فراشة إلى يرقة؛ لينشأ رجلاً صلبًا، جلفًا، لا يبكي على الإطلاق، وإذا ضحك فعليه أن يفعل ذلك بحساب؟ وبالمقابل ما الذي سيكسبه العالم لو أنثوية النساء دخلت على قدم المساواة مجالات الفكر والعلم والفلسفة والفقه ومجالات صنع القرارات ومجرى الحياة العامة ككل ومسؤولية صنع السلام؟
ما الذي ينقصنا لفهم النسوية كمصطلح علمي وكحركة اجتماعية كأسلوب حياة، يضم النساء والرجال من أجل فاعلية الجميع، ورفعة شأن الأوطان محليًّا وعربيًّا وإقليميًّا ودوليًّا؟!

*نقلاً عن "الجزيرة"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات