عاجل

البث المباشر

تمييز المنشآت الجيدة في القطاع الخاص عن الرديئة

أبدأ هنا من حيث انتهى إليه المقال الأخير "ماذا يحدث للقطاع الخاص؟"، الذي أظهرت أهم المؤشرات الرئيسة له ضعف أدائه "ضعف النمو الحقيقي للقطاع، تراجع أرباح منشآته بنسبة 23.9 في المائة، انخفاض أعداد منشآته الصغيرة والمتوسطة والكبيرة والعملاقة خلال 2017 - 2019 بنسبة 18.5 في المائة، انخفاض العمالة الوطنية في القطاع خلال عام ونصف العام فقط بنسبة 6.1 في المائة (108.6 ألف عامل)".
وأن التحديات التي يواجهها القطاع الخاص تبلورت في أربعة تحديات رئيسة؛ اثنان منها كان القطاع ذاته هو المسؤول عنها والمتسبب فيها "سيطرة العمالة الوافدة على أغلب وظائف القطاع الخاص، استمرار إدمان القطاع الخاص على الإنفاق والتحفيز الحكوميين"، والاثنان الآخران تولدا من خارج قدرته "التستر التجاري، واستدامة تشوهات السوق العقارية - احتكار واكتناز ومضاربة". لا تقف قضية مواجهة ما تعاني منه منشآت القطاع الخاص، عند مجرد بذل للجهود وتسخير للموارد لأجل إنقاذ ودعم القطاع من سقوطه الذي أكدته أغلب مؤشراته الرئيسة، دون فلترة ودون قيد أو شرط للاختلافات الكبيرة جدا بين حالات منشآت القطاع الخاص، تأخذ في الحسبان النشاطات الاقتصادية التي تنتمي إليها، ودرجة مساهمتها في تنويع قاعدة الإنتاج المحلية، ومدى استقلالها عن الإنفاق والتحفيز الحكومي، ومستوى توطينها للوظائف ونوعيتها الممنوحة للموارد الوطنية، وحجم تورطها في التستر التجاري من عدمه، ومستوى سيطرة العمالة الوافدة على الوظائف العليا والقيادية فيها، وعديدا من الاعتبارات الأخرى اللازم وضعها في إطار التمييز بين منشآت القطاع الخاص، التي تغيب بنسبة كبيرة عن كثير من البرامج والسياسات والإجراءات المتعلقة بمنشآت القطاع الخاص، سواء من منظور برامج توطين الوظائف، التي لا تزال تنظر إلى وظائف القطاع الخاص بمنظار العدد والكم دون تمييز بين مستوياتها وأجورها ونوعيتها والنشاطات التي تعمل فيها. وقس على ذلك بالنسبة لبقية الاعتبارات الأخرى من حيث مساهمتها في النمو الاقتصادي، أو من حيث تنويع قاعدة الإنتاج المحلية. وكما أن تلك الاعتبارات بمنزلة المحددات الغائبة عن أغلب البرامج والسياسات، فهي أيضا المحددات التي لا ترغب شريحة كبيرة من ملاك منشآت القطاع الخاص أخذها في الحسبان، خاصة تلك المنشآت المتورطة في أشكال التستر التجاري، أو معضلة سيطرة العمالة الوافدة على منشآتهم، أو تلك التي تقتات بالدرجة الأكبر على الإنفاق والتحفيز الحكوميين.
إن الفارق كبير جدا بين أن تمد يد العون لمنشآت في القطاع الخاص، يمثل وجودها دعما رئيسا للاقتصاد الوطني على جميع المستويات "مساهمة في النمو وتنويع قاعدة الإنتاج وتوظيف العمالة الوطنية"، ومنشآت أخرى لا تستحق أدنى درجات الدعم اللازم، وهي المتورطة من رأسها إلى أخمص قدميها في الاعتماد المفرط على العمالة الوافدة، وعلى ضعف مساهمتها في النمو وتنويع الإنتاج، وعلى الإدمان المفرط على الإنفاق الحكومي عبر مناقصات الدولة، والأسوأ من كل ذلك أن تجدها متورطة في ممارسات التستر التجاري.
حينما تتضمن مؤشرات أداء القطاع الخاص "ضعف النمو، انخفاض الأرباح، انخفاض أعداد منشآت، انخفاض العمالة الوطنية" منشآت من النوع الأول المهم وجوده في جسد الاقتصاد الوطني، فالمطلوب والواجب فعله من الأجهزة الحكومية المعنية تجاه تلك المنشآت، يحمل أهمية استراتيجية قصوى لا مجال لتأخيره أو المماطلة حوله. والعكس صحيح تماما؛ إذا كانت المنشآت التي سقطت وأصبحت خارج أسوار القطاع الخاص، والنشاط الاقتصادي عموما، من النوع الرديء المشار إليه أعلاه "تستر تجاري، سيطرة عمالة وافدة، انعدام مساهمة في النمو والتنويع، إدمان مفرط على الحكومة"، فإن وفاتها وانتهاء نشاطها يعد أمرا إيجابيا جدا، ولا يعد كما يحاول تصويره المنتفعون من وجودها على أنه خطر يهدد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
منشآت القطاع الخاص ليست متشابهة ولا على القدر نفسه من الأهمية، والوظائف التي توفرها في سوق العمل المحلية ليست على القدر نفسه من الأهمية، وهو المحور الواجب إيجاد ما يستحقه كثقل نوعي وكمي في مختلف البرامج والسياسات والإجراءات المعنية في القطاع الخاص، وأن يتم التفرقة بين المنشآت الجيدة، بل المهمة جدا للاقتصاد الوطني ولاستقراره ونموه، وبين تلك التي يعد وجودها نقطة امتصاص لخيرات ومقدرات البلاد والعباد.
يعد ترسيخ محددات التمييز بين منشآت القطاع الخاص، على مستوى جميع البرامج والسياسات بوابة خروج آمنة من المأزق الراهن الذي تعاني منه الأطراف كافة "الحكومة، القطاع الخاص، المجتمع"، وهو الأمر البالغ الأهمية الذي لا يتوشح مجرد التنظير كما يحاول تصويره من سيلحقه الضرر البالغ حال العمل به وإقراره في صلب البرامج والسياسات، كونه أول من يعلم بفشله الذريع مسبقا بعدم قدرة منشآته على تجاوز تلك المحددات، ولأنه في الأصل لن يكون جديرا بالبقاء ضمن منظومة أنشطة قطاع الأعمال، وعلى العكس تماما بالنسبة للمنشآت التي تتوافر لديها قوة المساهمة في النمو الاقتصادي والتنويع الإنتاجي والتوطين، بل إنه يعد بالنسبة إليها الحد الكافي والمطلوب لإنقاذها من السقوط والتلاشي، نتيجة عدم تمييزها بما تستحقه عن غيرها من المنشآت المتورطة في المثالب السالف ذكرها أعلاه، بل قد تجد كثيرا من تلك المنشآت الناجحة في تحقيق تلك المحددات، لا يطالب أبدا بدعم حكومي مالي كما يرفع شعاره تلك المنشآت المتورطة، كون تلك المنشآت الناجحة تتوافر لديها القدرة على البقاء والنمو، وأن ما منعها من تحقيق ذلك يكمن فيما هو خارج قدرتها وسيطرتها، بدءا من عدم تمييز البرامج والسياسات لها عن بقية المنشآت الأضعف، وانتهاء بالتحديين الرئيسين "التستر التجاري، استدامة تشوهات السوق العقارية - احتكار واكتناز ومضاربة".
سينحصر الحديث فيما سيأتي على هذا النوع المثمر من المنشآت دون غيرها، ممن لم يتوافر لديه أدنى المتطلبات أو المحددات الداعمة للنمو وللتوطين وللاستقرار الاقتصادي، وماذا يهدد وجودها ويحد من نموها واتساع نشاطها، وماذا يجب القيام به لأجلها ولأجل المحافظة على النمو الاقتصادي بدرجة أهم، وأن الحديث في هذا الخصوص معني بالدرجة الأولى فقط بالمنشآت الجيدة اقتصاديا في القطاع الخاص. والله ولي التوفيق.

*نقلاً عن "الاقتصادية"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات