عاجل

البث المباشر

المطبات الاصطناعية

كنت أسير بسيارتي على أنغام سافروا ما ودعوني للرائعة ابتسام لطفي، فيما كانت تقف على الطرف الآخر من الشارع، تقف بفخامة عالية، مثل لوحة رائعة لفنان مخضرم، أثارت داخلي سخطاً وعتباً على السنين المنفرطة من العمر، وأشعلت وجداً عميقاً أعادني إلى حيث الحدود البعيدة من حياتي، حيث الشباب والحلم، واستدعت داخلي مواقف شتى، وذكريات بعيدة، خرجت من ذاكرتي كما تخرج الأفاعي من جحورها على الرغم من قمعي لها بشدة كرجل شرقي معتق، حتى تجاوزتها وهي واقفة على ناصية الشارع، وبقيت أتابع خيالها وهو يتوارى خلفي في المرآة، هذا وبينما أنا أعيش هذه اللحظات الرومانسية العابرة، فجأة ارتفعت بي السيارة، وارتطمت بالأرض بقوة عدة مرات نتيجة مطب اصطناعي، وكدت أن أفقد السيطرة على السيارة لولا استماتتي على المقود، وبعد جهد جهيد توقفت لإعادة توازني وترتيب أشيائي المبعثرة، عندها صببت جام غضبي على المرور لأنه هو من أفسد متعتي، وكاد أن يتسبب لي بضرر فادح بي وبسيارتي، وبدأت أسأل المرور أسئلة كثيرة وعميقة، منها لماذا يلجأ المرور إلى هذه المطبات الاصطناعية؟ وهل هي عجز إداري وفشل في إيجاد حلول أخرى؟ ولماذا عدد هذه المطبات يفوق عدد الأشجار بالمدينة؟ وإذا كان لا بد منها فلماذا لا يوضع عليها عاكس؟ ليتبينها صاحب السيارة من بعيد قبل الارتطام بها، وربما تكون نهايته، كل هذه الأسئلة أرسلها إلى رجال المرور، مع إيماني العميق برجل المرور ورسالته الإنسانية، لأنهم يعملون طوال النهار بالشمس تحت أشعتها المحرقة، وينزرعون في الشوارع في ليالي الشتاء الباردة، من أجل سلامتنا، أعرف كل هذا وأقدره وأحترمه، وأعرف أن وضع هذه المطبات الاصطناعية ساهم في تقليل عدد الضحايا من قبل المتهورين والطائشين، لكن يظل عتبي قائماً بحجم الحب القائم بيننا وبحجم الحلم الذي نحمله باعتبارنا مثل كل الشعوب التي تتطلع إلى الأمام كسائر الشعوب المتقدمة والمتطورة لأن حركة المرور في أي مدينة من المدن تعد ظاهرة حضارية على تقدم أو تأخر هذه المدينة، وفي كل الحالات نحن ننتصر لرجل المرور، ونرفع له القبعة عالياً، ونقدم له وردة بيضاء ناصعة، نظراً لرسالته الإنسانية التي يضطلع بها.

*نقلا عن الرياض

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات