عبدالعزيز.. ملك صنع التاريخ ورسم الجغرافيا

شاهر النهاري

نشر في: آخر تحديث:

كنت أتحدث مع ابني منذر وهو المعجب كثيراً بشخصية الملك عبدالعزيز، فكان يطرح عليّ الأسئلة، ويزودني بكثير من المعلومات حول حياة الملك، الذي صنع بأقل القليل هذه المملكة المترامية الأطراف.

وتطرقنا لشخصية الملك عبدالعزيز، ونفسيته، أكثر مما ركزنا على حروبه، وعلى مواقفه السياسية.

الملك عبدالعزيز كان فرداً ضمن أربعين فرداً عادوا من الكويت بهدف رد مملكة أجداده في الرياض والدرعية وما حولهما، ولكنه كان يمتلك شخصية القائد المحبوب المطاع رغم حداثة سنه.

تعليمه كان درعاً له بين كثير من أمراء وشيوخ القبائل ممن لم يكن أغلبهم يقرأ ويكتب.

بعده عن أرضه لفترة طويلة، وبقاؤه في ضيافة أسرة الصباح مكناه من خبرات ومعرفة وتاريخ، وتمكن من الحديث والإقناع.

صفاته الشخصية مهدت له ليكون خير مطالب بحق أسلافه، وخير من يتمكن من جذب بقية القبائل واستمالة الأعوان، ما سهل له تعاقب دخول المدن والمناطق ضمن حكمه حينما وجدت فيه الرمز المنقذ من ظروف معيشية صعبة كانت شائعة، ومن ظلمة ليل كان الجميع يتمنى انقشاعه.

شاب ولد ملكاً حتى قبل أن ينال عرشه، فكانت نفسيته حكيمة مؤهلة من جميع النواحي، فقيادة مئات القبائل والطوائف ليست مجرد قوة سلاح وأوامر وأعوان، والبيئة التي كان يحاول تجميعها وتوحيدها تحتوي على العجب والشتات، وكانت تحفل بالغزو وخرق العهود بين الجيرة، ضمن عادات وتقاليد صحراوية متبدلة بتبدل الرفيق، وتغير المكان، ووجود الحاجة من عدمها.

ومتطلبات الحياة المعيشية لم تكن بالوفرة، التي تسمح أن يسود السلام بين القبائل، فمزرعة صغيرة تستحق الغزو، وثروة بسيطة تغري بالخيانة، والتعليم نادر، والفقر منتشر إلا فيما ندر من قرى ومناطق ومدن.

هذا الملك جاء ليستعيد الرياض، فما لبث أن احتوى الجزيرة، وعانق البحار من كل الجهات، واحتضن بفكره وقلبه ورؤيته جميع فواصل الفرقة، بصفات جمعت الناس حوله، ليس فيها الحقد، ولا تشوبها الخيانة، فكان إذا أعطى الكلمة تمسك بها مهما كلفته من تضحيات، ولذلك تكاثر أتباعه ومحبوه، لاختلافه عن كل الموجودين، وأنه خير من يجمع شتات وخوف الطرق والممرات، فلا يعود بين تلك المضارب والقرى غير السلام، والتواصل، والإخاء، والتساوي في كل شيء.

ملك بدأ طريقه وحيداً، وأدرك أنه يحتاج لسلسلة من الملوك يبنون مملكته ويستمرون بالسير على نهج تعامله مع مختلف طبقات المجتمع، الذي عرف الوحدة مؤخراً بعد عصر من الضياع، فكانت سلسلة أبنائه ممن لم يخرجوا عن طريقته ونهجه ودستوره طوال عقود متعاقبة، أنتجت لنا مملكة مدنية ناهضة مهابة بما تملكه من خيرات ومن تقارب وسلام عم النجوع والسبل، فحدث في الصحراء تحقق معجزة الحلم الكبير.

كل قرارات هذا الملك في عمره الطويل لم تكن إلا نوعاً من الفهم والترقي والمحبة والحكمة والدهاء، وكان بالنسبة لأبنائه مدرسة، بل جامعة يتعلمون منها كل أمور حياتهم وسياستهم وتواضعهم وتقربهم من الشعب، وقدرتهم على اختراق الحواجز العالمية بكل اقتدار فرأينا كيف كان ينتدب أبناءه، وهم في عمر غض لينوبوا عنه في تجمعات عالمية كانوا يبدعون فيها وكأنه حاضر معهم.

شخصية القائد كانت حاضرة عند الملك عبدالعزيز منذ نعومة أظافره، وقد كونت له آفاقاً فكرية ثقافية أوسع وأمتن، لذلك لم يكن يتفرد برأيه، وظل يستقطب من يدرك أنهم يمتلكون البيان، والعلم والمعرفة والخبرة، فكان ابن الصحراء يقف مع رؤساء الدول العظمى بنفس المقدرة والثقافة والتمكن، وكان يجتبي التقنية من سيارة ومذياع وطائرة ومصعد، ويفتتح المدارس، ويحث على التعلم، ويرتقي مع الإنسان في التعيين على المراكز الحساسة، وينظر للعدالة والقضاء، ويكتب التاريخ، بما أرسى حولنا في أطراف مملكة هي الآن قلب العالم الإسلامي، ودعامة قوة العالم العربي.

مملكة ما زالت تسير على خطواته بيد الملك سلمان الحزم، والحكاية تستمر فصولها، ونحن نرى روحاً شبابية لعراب الرؤية شبيهة بنفس تطلعات المعجزة "عبدالعزيز"، تتجدد بيننا، وتحملنا معها إلى مواطن الاستقرار والعدالة والحب والرخاء، والترقي، وصناعة التاريخ.

*نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.