الصامت طويلاً المتكلم كثيراً!

إبراهيم العمار

نشر في: آخر تحديث:

كان أعرابي يجالس العالم الشعبي ويطيل الصمت، فقال له الشعبي يومًا: ألا تتكلم؟ فقال: أسكت فأسلم وأسمع فأعلم.

وقال بعض السلف: ما ندمت على الصمت مرة، وندمت على الكلام مرارا.

ستجد في التاريخ والواقع أن الكثير من الحكماء من سماتهم الصمت، ليس المطلق ولكنه متعمد، ولا يتكلم العاقل إلا بشيء يستحق أن يُقال، وحتى زعماء الدول سترى أنهم عادة يزِنون كلامهم وإذا خرج يكون مختصراً وله هدف معين، ومن أمثلة ذلك الرئيس كالفن كوليج الذي ترأس عام 1923م، وله شأن عجيب في هذا، فينظر له التاريخ الأميركي أنه أكثر الرؤساء صرامة وجدية وأطولهم صمتاً وأندرهم تعبيراً، واشتهرت عنه قصة أن امرأة أتته في حفلة وقالت إنها تستطيع أن تستخرج منه أكثر من كلمتين، فرد عليها: "إذاً تخسرين"، ولم يزد على هاتين طوال الليل!

لكن الحقيقة أنه كان كثير الكلام ولم يعرف إلا القليل من الناس ذلك.. أقام مؤتمرين صحفيين أسبوعياً طيلة فترة رئاسته، أي مئات من المؤتمرات، استلم فيها أسئلة مكتوبة وأجاب الإعلاميين المجتمعين أمامه بكلام غزير مسهب، لكن عامة الناس جهلوا ذلك لأنه طلب من الإعلاميين ألا ينقلوا عنه أي كلمة بل ألا يُقرّوا أنهم تكلموا معه أصلاً. أحد الموظفين في البيت الأبيض مهمته تدوين كل ما يقوله الرئيس، لكن لم ينشر كل هذا إلا بعد 40 سنة، وتفاجأ الناس لما كُشف الستار عن كلام الرئيس وإجاباته، فقد كان مفوهاً ظريفاً حسن الدعابة حاضر البديهة.

إذاً لماذا كل هذه السرية؟ لعل الناس عرفوا أحد أسباب رغبة كوليج في هذه العزلة الإعلامية، فقد قال في تلك الوثائق: أجد الكثير من الأسئلة مكررة مرتين وثلاثاً، وأرى أن مهمتي هناك محاولة ترفيه الناس بكلامي، ولما سئل كيف يصف فترة رئاسته بكلمات مختصرة قال: من أكبر إنجازات حكومتي أني كنت ساكتاً أهتم بشؤوني الخاصة، أو بعبارة أخرى، كنت "في حالي"!.

*نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.