عاجل

البث المباشر

التعليم وتحقيق الرؤية

إصلاح التعليم هو أكبر التحديات أمام جميع دول العالم وهو الداء والدواء، وحين تتأخر الدول عن ركب الحضارة فابحث عن التعليم، وحين يختل سلوك المجتمع فاسأل عن سلوك الطالب في بيته وفي المدرسة..

لي تجربتي الخاصة حين عينت قائداً لكلية الملك فيصل الجوية، والتي يجب أن أشرك بها الآخرين لتعمّ الفائدة، خصوصاً في الوقت الذي تمر به المملكة بتغييرات كثيرة ومتسارعة وما تبذله الدولة من جهود للإصلاح واللحاق بركب الدول المتقدمة وخاصة في مجالات الاقتصاد والصحة والتعليم والسياحة وغيرها رغم التحديات الكبيرة، فما جرت عليه الوزارات خلال الستين سنة الماضية لا يمكن تعديله خلال خمس أو عشر سنوات، ذلك أنه مرتبط بالإنسان الذي يتطلب إعداده جيلاً كاملاً، لكن ذلك لا يعني التوقف أو اليأس، بل التطوير المستمر، وأفضل وسيلة لتطوير جميع الوزارات والرقي بالخدمات هي التركيز على تطوير التعليم بكل مراحله؛ ذلك أنه هو المعد والممول لجميع القطاعات في الدولة بما تحتاج من العنصر البشري الذي هو أساس كل نجاح أو فشل.

أهم الأسئلة التي حاولت الإجابة عليها في الأيام الأولى لتولي منصب قائد الكلية هي: ما المهمة التي من أجلها أوجدت الكلية ولتحقيقها تصرف مئات الملايين سنوياً؟ ثم كيف نحقق هذه المهمة؟

وجدت أن مهمة الكلية هي إعداد الطالب ليفي بمتطلبات القوات الجوية بشكل خاص والمسلحة بشكل عام، وأهمها إعداد الطيار المقاتل والفني في جميع المجالات المطلوبة، وهذه المهمة تتطلب الاهتمام بالطالب قبل أي شيء آخر، وهو ما يعني الاهتمام بصحته البدنية والنفسية واللياقة البدنية والسلوك ورفع الروح المعنوية والانضباط المبني على القناعة، وزرع العادات المفيدة كالقراءة والتعاون وروح الفريق، ومكافحة العادات المضرة ومنها التدخين والسهر وإضاعة الوقت، ومكافحة التطرف والتعصب القبلي والمناطقي وغير ذلك، ليس بالكلام فقط ولكن بالتطبيق والممارسة داخل الكلية. حين يضع القائد أو المدير المهمة الأساسية أمامه ويركز على توجيه جميع الجهود لتحقيقها يحدث الفرق وهذا هو ما حاولت التركيز عليه وأعطى نتائج تمثلت بالمزيد من الانضباط دون اللجوء للجزاءات البدنية والرغبة في تخصصات لم تكن مرغوبة.

من السهولة أن ينصرف المسؤول في التعليم عن المهمة الأساسية للتعليم بسبب التشكيل الهرمي الطويل، والاجتماعات المتواصلة فتصبح المدارس والجامعات التي هي أساس وجود الوزارة بعيدة عن أعين المسؤول وتبقى التحديات التي تعانيها دون حل، بل وقد تزداد التحديات مع زيادة أعداد المدارس والطلبة في كل فصل دراسي، كما أن عدم تصحيح الأخطاء في وقتها يجعلها مستساغة ومقبولة.

النهوض بالتعليم يتطلب التركيز على المدارس ومتطلباتها ومنها:

أولاً: لا يمكن تحسين البيئة المدرسية إلا بوجود قائد مميز ومعلمين يؤمنون برسالة التعليم وعظم الأمانة، وهذا يتطلب حسن اختيار قادة المدارس وتدريبهم وابتعاثهم ولو لفترات قصيرة لمدارس الدول المتقدمة للوقوف على أسباب نجاح تعليمهم، فليس من سمع كمن رأى، مع إعطائهم الحوافز والصلاحيات التي تجعل المهمة جاذبة ويمكن تحقيقها. أما المعلمون، فيبدأ بحسن الاختيار، وهذا لن يتحقق ونحن نقبل آلاف المعلمات والمعلمين دفعة واحدة وفي وقت قصير، بل يجب أن يكون مستمراً طوال العام وعلى دفعات صغيرة يمكن مقابلتها ومعرفة مدى استعداد كل متقدم لهذه المهنة السامية، وسبق أن اقترحت معهداً خاصاً بذلك.

ثانياً: البيئة المدرسية لدينا بحاجة إلى حلول جذرية ومنها تصميم مباني المدارس، فمعظم المدارس تبدو كئيبة تخلو من الخضرة والأشجار الكبيرة التي تجلب الراحة والظل للطلبة وخاصة مدارس البنات التي تشبه القلاع وتخلو من الساحات الفسيحة والخضرة ومتطلبات جميع أنشطة المدرسة، كما يجب النظر إلى أعداد الطلبة في كل فصل ونصاب كل معلم، وما لم نركز على ذلك فنحن نهمل الأساس ونهتم بالأمور المساندة.

ثالثاً: يجب أن تنتقل المناهج من التنظير والحفظ إلى التطبيق والممارسة، فلن يتحسن سلوك المواطن في الشارع والبيت ومع البيئة المحيطة به إلا إذا تحسن سلوكه حين كان طالباً داخل مدرسته لتصبح المدرسة هي النموذج الذي يحتذى في جميع مرافقها من فصول وساحات ومطعم ودورات مياه، فيكون النظام هو السائد والنظافة يقوم بها الطلبة مع التركيز على مهارات التواصل وروح الفريق.

إصلاح التعليم هو أكبر التحديات أمام جميع دول العالم وهو الداء والدواء، وحين تتأخر الدول عن ركب الحضارة فابحث عن التعليم، وحين يختل سلوك المجتمع فاسأل عن سلوك الطالب في بيته وفي المدرسة.

لو تم التركيز على اللبنة الأولى وهي المدرسة وركزنا معظم الجهود لتنصب على تطويرها من جميع النواحي واستمعنا جيداً لملاحظات من بداخلها من معلمين ومعلمات أكفاء لحققنا الشيء الكثير مما نخطط له في رؤية المملكة 2030.

نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات