عاجل

البث المباشر

د. زياد آل الشيخ

<p>كاتب اقتصادي سعودي</p>

كاتب اقتصادي سعودي

شبابيك المجتمع المكسورة

تطبيقاً لنظرية الشباك المكسور، التي عرضت لها في المقالة السابقة، قام مدير النقل العام في نيويورك بخطوته الأولى نحو إصلاح نظام النقل بمعالجة مشكلات لم ير أحد أهميتها إطلاقاً. كان مدير النقل العام يرى أن الشباك الذي ظل مكسوراً ولم يصلح هو الرسم على الجدران أو ما يسمى بالجرافيتي. كان الجرافيتي بالنسبة لرئيس النقل العام رمزاً لاختلال النظام، فهو دال مع بقائه دون معالجة على أن نظام المدينة مكسور، ولا سبيل إلى إصلاحه من غير محاربته.

كانت عربات القطار مليئة بالرسومات الصغيرة والكبيرة، يتعاقب عليها (الرسامون) ليلاً ونهاراً. كانت الحرب على الجرافيتي بحاجة إلى نظام إداري خاص. فلكي يحقق رسالته، أن نظاماً جديداً قد أرسى قواعده في المدينة، قام بإعادة هيكلة إدارات النقل العام لمعالجة الجرافيتي. كانت العربات تصطبغ بالألوان كلما نظفت، وكان يستغرق صبغها بالرسومات ثلاث ليلات حتى تكتمل. فجعل يمنع العربات التي لونت بالجرافيتي من العمل حتى يعاد دهنها. كان واثقاً أن عمل الشباب في رسم الجرافيتي لن يتوقف مع أول معالجة، إلا أنه برهن أن محاربة الجرافيتي من أولويات النقل العام، وأن إدارته عازمة على محاربة هذه الظاهرة. استغرق العمل الذي نفذته إدارة النقل العام في محاربة الجرافيتي خمس سنوات إلى بداية التسعينات؛ حيث تولى رئيس شرطة نيويورك الجديد عمله، وبدأ في تطهير النقل العام من المشبوهين والمشردين الذين يبيتون في الممرات وعلى الطرقات.

إذا قسنا تجربة نيويورك على واقعنا اليوم، كم شباكاً مكسوراً سنجد في طريقنا من البيت إلى العمل كل يوم ذهاباً وعودة؟ وما أثر الأرصفة المكسورة، وأعمدة الإنارة المحطمة، والسيارات التي صدمت من كل جانب؟ إن مفاد نظرية الشباك المكسور عكس البدهي، فالشباك المكسور ليس نتيجة عمل تخريبي فقط، إنما هو سبب في عمل تخريبي آخر جديد إذا ترك دون إصلاح. ولعل الشباك المكسور الأول كان نتيجة كسر من نوع مختلف له امتدادات عميقة في المجتمع. لكن مهما كانت الامتدادات الاجتماعية للمشكلة وجذورها بعيدة فإن مهمتنا أن نوقف امتدادها. كما أن مهمتنا في معالجة هذه الأعطال بكل أشكالها لا تبدأ من حل المشكلات الكبيرة أو تنتهي عندها، إنما حلها في معالجة الأعطال الصغيرة كذلك. أتكلم عن رصيف مكسور على طريق الأمير تركي بن عبدالعزيز الأول بعد تقاطع طريق الملك عبدالله شمالاً في مدينة الرياض، لم يصلح لسنوات. أتكلم عن مدخل المديرية العامة للجوازات الذي تحتاج للوصول إليه المرور بمواقف الموظفين عابراً إلى شارع خلفي تطل عليه عدد من البيوت المهجورة التي تطوقها أرصفة متسخة ومحطمة. هذا المدخل الذي يتصل بحي سكني قديم لم يعالج وضعه حتى اليوم. فما أثر مدخل كهذا على المجتمع، مدخل يخدم آلاف المراجعين وهو بهذه الحالة منذ سنين دون إصلاح؟

نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة