مصير الشعب الكردي

عبدالله بن بخيت

نشر في: آخر تحديث:

أشعر بالحزن الشديد عندما أتذكر الأكراد. شعب منقسم على عدة دول، جزء في العراق وجزء في تركيا وجزء في إيران وجزء في أرمينيا وجزء في سورية، طموحاته تتصادم مع خمس دول، لا أحد يرى في الأفق أملاً لإقامة دولة مستقلة باسم كردستان، عددهم أكثر من ستة وعشرين مليون نسمة.

يشكل الأكراد نسباً متفاوتة في الدول التي يقطنونها. 8 % من إجمالي السكان في سورية، و12 % في العراق، و6 % في إيران، و15 % من سكان أرمينيا، أما في تركيا فيشكلون نسبة معتبرة بين السكان قدرها 20 % إذا عرفنا أن عدد سكان تركيا بكل عرقياتها وطوائفها 78 مليون نسمة تقريباً سنفهم لماذا تتوجس تركيا من أي تجمع كردي مسلح، قيام دولة كردية يعني انهيار الدولة التركية التي نراها اليوم.

حرب تركيا على الأكراد يتوارثها حكام تركيا كمسألة استراتيجية لا تقبل النقاش، في زمن أتاتورك لم يكتف الأتراك بمنع الأكراد من التعبير عن قوميتهم أو طموحاتهم السياسية بل منع القانون التركي استخدام اللغة الكردية في التعليم وفي الأدب وفي كل أشكال الثقافة. كان هدف القانون إماتة اللغة الكردية ومن ثم إماتة الهوية الكردية، ولكن من سوء حظ الأتراك أن تخلقت الدولة التركية الحديثة على مفهوم القومية فانفض العرب على هذا الأساس ولم يغب الأمر عن الأكراد فقرروا تأسيس دولتهم بناء على قوميتهم.

الجامع الشامل لكل الشعوب التي انضوت يوماً تحت راية بني عثمان لم يعد أساس الدولة في إسطنبول. فتركيا لم تتخل عن الجامع الإسلامي كأداة سياسية بل حيدته وجعلتهم مسألة فردية، فلم يعد للأكراد أي رابط مع الأتراك، ولكن حظهم العاثر جعلهم قسمة بين شعوب مختلفة، قيام دولة كردية في مكان يعني خطورة على الدول الأخرى التي يعيش فيها أكراد، قد تختلف الدول التي تحتضن الأكراد في كل شيء إلا في مسألة القضية الكردية، كثرة التعقيدات في القضية الكردية جعلها محل استغلال لكثير من الدول، استخدمتهم إسرائيل ضد العراق واستخدمتهم سورية ضد تركيا واستخدمتهم أميركا ضد داعش وفي كل مرة يخرجون خاسرين.

في حال قرأت التاريخ ستكتشف أن شعوب الشرق الأوسط هي الشعوب الأكثر عرضة للصراعات والترحيل والحروب، ستلاحظ أن هذه المنطقة لم تتوقف فيها الحروب أبداً، لا يمكن أن تمر عشر سنوات دون أن تندلع فيها حرب.

لا شك أن أكبر ضحايا هذا العصر هما الشعبان الفلسطيني والكردي، ومن الواضح أن الورطة التي وقعا فيها أكبر من قدرتهما على إدارتها للخروج منها، ولكن التاريخ يخبرنا أن الحال لا تدوم، سيأتي اليوم الذي سيقص فيه أحفاد هذين الشعبين قصة أجدادهم وكيف عبروا المحن.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.