عاجل

البث المباشر

المناهج والحاجة إلى تطويرها

قصتي المفضلة التي تثبت أن التلقين لا يغير في السلوك هي تلك المحادثة بيني وبين طفل رأيته يطارد قطة في حديقة الحي، وحين لجأت القطة إلى الشجرة ظل يقذفها بالحجارة، توقفت عنده وطلبت منه التوقف عن إيذائها، وفي محاولة لإقناعة ذكرت له حديث تلك المرأة التي دخلت النار بسبب هرة سجنتها، وإذا به يكمل الحديث أثناء بحثه عن حجر، ثم ذكرت له الحديث الآخر الذي يتحدث عن امرأة أخرى دخلت الجنة بسبب كلب سقته وإذا به يخبرني بمضمونه دون أن يتوقف، وفي آخر محاولاتي لإقناعه بالكف عن أذيتها قلت له تصور لو أنك مكانها وهي التي ترميك بالحجارة، حينها رمى ما بيده وغادر يتبعه إخوته، ولا أدري هل اقتنع بما قلت له أم أنه ملّ من حديث متطفل أفسد عليه متعته، ولا ألوم الطالب على سلوكه ذلك أن والدته كانت حاضرة ولم تلتفت إلى ما كان يعمل، فلم يبق سوى المدرسة نلجأ إليها بعد الله لتغيير سلوك أبنائنا وتعاملهم مع البيئة المحيطة بهم، وكما تحدثت في مقال سابق عن المعلم ودوره المحوري فإن المناهج وتطبيقها تأتي في المرتبة الثانية، ومناهجنا للأسف يحرص مؤلفوها على حشوها بأكبر كم من المعلومات في وقت أصبحت متاحة بأكثر من وسيلة وبأسرع وقت ممكن، كما يوكل إلى المعلم إيصال ما في المقرر الطويل إلى الطلبة وتأكده من استيعابهم له واختبارهم بمحتواه فيما بعد، دون أن يفهموا معانيه ودلالاته ودون أن يؤثر في سلوكهم ومهاراتهم.

وليست حالة ذلك الطفل سوى مثال على وجود الخلل في مخرجات تعليمنا فالعبث بالبيئة وتدمير الحياة الفطرية وإهمال نظافة المكان بعد مغادرته وسوء السلوك في الشارع والعنف والإقصاء والتنمر داخل المدارس دليل على أن التعليم بشكل عام أخفق في زرع القيم والعادات الجميلة وتهذيب سلوك الطالب بشكل عام، ناهيك عن تعليمه التفكير الناقد وبناء المهارات المطلوبة للمستقبل.

رأس المال البشري هو أعظم ثروة وأثمن استثمار، وكل دولة تقدمت من سنغافورة إلى فنلندا وكوريا الجنوبية واليابان وغيرها استثمرت في التعليم النوعي، مفتاح التنمية وأساس بناء الوطن وضمان المستقبل.

والمملكة كغيرها من الدول العربية والإسلامية لديها خلل في المناهج فصارت المقررات مليئة بكم هائل من المعلومات التاريخية والدينية والممارسات لعصور سابقة وكأن الطلبة سيعيشون في تلك العصور متناسين ذلك القول المأثور لعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: "لا تكرهوا أولادكم على آثاركم فإنهم مخلوقون لزمان غير زمانكم" فالتعليم بمجمله يجب أن يهتم بالمستقبل مع الأخذ بما يناسب زمانهم من قيم ومكارم أخلاق وعقيدة وحفظ هوية وطنية، ومن أهم ما يجب أن نركز عليه في سبيل إصلاح التعليم والانطلاق إلى آفاق عالية من الحضارة والنماء ما يأتي:

أولاً: من أهم المقررات التي هي بحاجة إلى تطوير مناهج الدين المكون الأهم لثقافة الشعوب العربية والإسلامية، وحين نطالب بذلك فلا يعني المساس بجوهر الدين والعقيدة، ولكن في فهمنا للدين وتطبيقاته وإيضاح حقيقة أن ما صلح أو طبق في زمان سابق قد لا يتناسب وهذا الزمان الذي نعيشه في هذه القرية الكونية، وهو ما يعني ضرورة أن يكلف بتأليف المقررات الدينية فريق من المختصين في العلوم الدينية والتربية والاجتماع والثقافة والأمن وليس شخصاً واحداً فقط، إصلاح التعليم الديني هو الانطلاقة الحقيقية لإصلاح ما بعده من مقررات.

ثانياً: لا يتحقق تعليم منظومة القيم السامية من نزاهة واستقامة وحب العمل وإتقانه والتسامح والتعايش إلا بتطبيقها وممارستها داخل المدرسة وفي كل مرافقها، فلن نزرع عادة جميلة كالنظافة من حفظ الأحاديث وأبيات الشعر والحكم ولكن من إشراكه في تنظيف فصله وساحات المدرسة وجميع مرافقها فاكتساب العادات يتطلب التطبيق والممارسة المستمرة مثله مثل قيادة الدراجة أو السباحة لا يكفي أن تقرأ عنها أو تحفظ خطوت تطبيقها من مدرب أو كتاب.

ثالثاً: لا بد أن تركز المناهج على تنمية المهارات لدى الطلبة بالتدريب العميق والكشف المبكر عن المواهب ورعايتها، وتشجيع الطالب على طرح الأسئلة والبحث عن الأجوبة وجعله طالب علم على الدوام بتحبيبه بالقراءة والبحث، والتمتع بصحة جيدة بممارسة الرياضة ومكافحة العادات المضرة.

التعليم الجيد الذي يفتح العقول هو أساس بناء وطن قوي ومواطن منتج فلا شيء كرأس المال البشري وتنميته.

*نقلا عن الرياض

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات