عاجل

البث المباشر

علي الخشيبان

كاتب سعودي

الترفيه والسياسة والمجتمع

حقيقة مجتمعنا اليوم وفي هذا التوقيت الثقافي والسياسي والاجتماعي المشترك، هي أننا نعيش (فجوة تحديث) بين ما نعتقده عن مجتمعنا وتصوراتنا التاريخية عنه، وبين ما يجب علينا فهمه حول هذا المجتمع وما نقدمه لهذا المجتمع..

في مجتمعنا وكل مجتمعات العالم "فإن الثقافة تأويل يبحث عن معنى" كما يقول عنها عالم الأنثروبولوجيا غيرتز، وفي الواقع الفكري يعد الكلام بالنيابة عن المجتمعات وثقافاتها عملية غامضة ومعقدة ولا يحق لأحد الاستئثار بها، فكل ما تحتاجه المجتمعات هو فهم دقيق لقيادتها نحو المسارات التي تحقق الإنجازات وتؤمن ثبات المجتمعات واستقرارها، والسياسات البارعة هي تلك التي تحقق نتائج مبهرة في تحولاتها ليس لمجتمعها المحلي فقط ولكن بطريقتها أيضاً تنال إعجاب مجتمعات العالم من حولها.

المجتمعات تمتلك ثقافاتها وفق أطر محددة ومسارات ورموز ومعانٍ، وفي مجتمعنا السعودي نمتلك ثقافة هي جزء من ثقافة إنسانية تعكس مكونات هذا الفكر الإنساني كله، وهذا ما يجعلنا جزءاً من العالم كله، والبشر في حالة تطور وتغير دائم، لأن الإنسان هو الوحيد بين مخلوقات الله من عليه أن يطور من قدراته بشكل مستمر، فلم يخلق الإنسان وهو يشبه الطيور يعرف كيف يبني بيتنا عشاً، الطيور لم تتغير تبني أعشاشها بذات الطريقة منذ خلق الله الإنسان، ولكن في تطور مستمر وتغير هائل من أجل تحديث طريقة سكناه.

إن وضعنا المجتمعي وخلال الثلاث سنوات الماضية عانى كثيراً حول فرضية التغير والتحول، واكتشفنا أن تصورات المجتمع عن نفسه تذهب إلى أن المجتمع يرى نفسه غير مستعد بأن يسقط صورة العالم بشكله الحديث وتحولاته الثقافية على مسطح التجربة المجتمعية المحلية، بمعنى دقيق فإن تصورات المجتمع عن نفسه كانت تقوم على محاصرته في مثلث الخصوصية ذي الزوايا الثلاث المكونة من تعاليم دينية متشددة، بجانب تصورات خاطئة عن العالم المنفتح، وأخيراً خوف على اهتزاز مراكز القوى الخادمة لهذا التصور.

مساحات الحوار المجتمعي مكتظة بالآراء والأفكار التي وصل بعضها إلى الرفض وعدم القناعة بأن تحولات المجتمع قابلة للإنجاز وأن الترفيه على سبيل المثال كإحدى أيقونات التغيير في المجتمع أصبح سلطة خارج ذواتنا علينا أن نؤمن بها بلا تحليل، هذا الكلام غير دقيق ليس من أجل مجاملة السياسة أو هيئة الترفيه ولكن الواقع الحقيقي لتفاعل المجتمع مع مكونات الترفيه، على الأقل ما حدث في مدينة الرياض يوحي نظرياً بأن هيئة الترفيه لم تنجح فقط في تقديم حلول مطلوبة للمجتمع بل تفوقت على نفسها وأنجزت المهمة بكل دقة، كونها أوجدت معنى للثقافة المطلوبة.

لو وضعنا أجهزة الدولة في تقييم موحد يجب علينا ألا نضع بينها هيئة الترفيه لسبب رئيس أنها هي الهيئة الوحيدة التي تتعامل أو تعاملت مع المجتمع كثقافة وليس كإطار بيروقراطي من أجل إنجاز الخدمات أو تأسيس البنى التحتية للمجتمع، الثقافة كما هي في مجال الترفيه وكما تنعكس في منتجات هيئة الترفيه مرتبطة بالأفكار والقيم والأفعال والعواطف، وكل هذه المنتجات تصنعها ميول المجتمع وقدراته واتجاهاته التي تتفاعل بشكل دقيق مع الثقافة العالمية، هيئة الترفيه هي الهيئة الوحيدة التي تتحدث مع المجتمع لغة ثقافية وليست لغة القانون والأنظمة والإجراءات لذلك يفهمها المجتمع بسرعة ويتفاعل معها بقوة لحاجته إليها.

حقيقة مجتمعنا اليوم وفي هذا التوقيت الثقافي والسياسي والاجتماعي المشترك، هي أننا نعيش (فجوة تحديث) بين ما نعتقده عن مجتمعنا وتصوراتنا التاريخية عنه، وبين ما يجب علينا فهمه حول هذا المجتمع وما نقدمه لهذا المجتمع، هناك فراغ كبير يجب أن نملأه بمفاهيم دقيقة وصحيحة ونتقبل ذلك التحول ليس بتفسيرات تعيدها إلى جوانب سلطوية على المجتمع، ولكن بتفسيرات واقعية عن التحول في جميع المجالات وليس انحسارها في الترفيه فقط، المجتمع يستعد للكثير والكثير من أجل سد تلك الفجوة التحديثية والأيام سوف تنبئنا أن ما يحدث في المجتمع ليس حلماً في المنام إنما هو حقيقة تفرض نفسها كما في كل زاوية في هذا العالم.

عندما تفاجئك الأرقام التي توجد في أنشطة الترفيه فلست بحاجة إلى البحث عن حقيقة هذه الأرقام، كل ما عليك أن تفكر قليلاً بمعطيات هذا المجتمع الذي يتفوق على كثير من المجتمعات العالمية من حيث تفاعله الثقافي مع العالم، لدينا مجتمع يحتل المركز الرابع عالمياً بين متابعي تطبيق تويتر، ولدينا أكبر مجتمع عالمي متفاعل مع كل وسائل التواصل الاجتماعي بشتى أنواعها، هذه الحقائق عن المجتمع تتطلب وبشكل فوري تدخل السياسة للتعامل مع هذا المجتمع وفق معطياته كونه يرتاد العالم بلمسة زر، فهو مجتمع شاب صغير السن مطلع على العالم ويدرك ما يجري من تحول عالمي نحو بناء ثقافة هدفها أن تنجز التواصل بين شعوب العالم.

*نقلا عن "الرياض".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات