عاجل

البث المباشر

زمان الطيبين.. كيف كنا وكيف أصبحنا؟

بعيدًا عن التحسر على (زمان الطيبين) دعونا لا ننسى كيف كنا نستخدم الزجاجات الملوثة للحصول على الأدوية من المراكز الطبية والمستشفيات المحدودة في بداياتها، والشوارع الترابية الضيقة التي تتقطع فيها بنا السبل حينما تنزل قطرات المطر البسيطة..

أصبحنا نقرأ ونسمع كثيرًا في الفترة القليلة الماضية عن (زمان الطيبين). ومع انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، خاصة الواتس، بدأت الصور تظهر بأشكال وألوان مختلفة عن (زمان الطيبين)، فتظهر الملابس والأواني القديمة، وطريقة الأكل على الأرض في الموائد التقليدية، وطرق التنقل القديمة بما فيها السيارات المحدودة في ذلك الوقت، وكأننا هجرنا زماننا (زمان الطيبين) وصرنا في زمانين ووقتين مختلفين. وكثير ممن يتلقى هذه الصور والمشاهد أو الكلمات التقليدية القديمة التي هجرتها الأجيال الحالية، خاصة من كبار السن، يبدأ بالتأوه والتحسر على زمان مضى، أيام البساطة وراحة البال والرضا والقناعة، متمنيًا العودة إلى الماضي بهدوئه ومقتنايته، وكأن الواقع الحالي لا يرضيه.

فهل صحيح ما يقال عن (زمان الطيبين)، وأنه أفضل من وقتنا الحاضر؟

لماذا نغفل عن أن (زمان الطيبين) كان معدل وفيات الأطفال فيه هو الأعلى عالميًا، وأن معدل عمر المواطن السعودي لا يتجاوز 45 عامًا، وأن معظم الولادات تتم في المنازل، وأن عدد سكان المملكة لا يتجاوز ثلاثة ملايين، بينما الآن وفي عصرنا الحاضر ومع تقدم خدمات الرعاية الصحية، وازدياد عوامل الرفاه والتقدم وتنفيذ خطط التنمية الشاملة في المجتمع السعودي، ارتفع عدد سكان المملكة ليصل إلى أكثر من ثلاثين مليونًا، وانخفض معدل وفيات الأطفال في الألف ليصل إلى قريب من 8 في الألف، وارتفع معدل الأعمار بين السعوديين حتى وصل إلى 75 عامًا في المتوسط. فلقد كشف تقرير لوزارة الصحة، أن برامج الرعاية الصحية المتقدمة أسهمت في رفع متوسط العمر في المملكة حتى وصل إلى 74.3 عامًا، متجاوزًا المعدل الإقليمي بست سنوات، والمعدل العالمي بأربع سنوات، ما يجعل المملكة تتصدر دول العالم في متوسط أعمار المواطنين، بينما وصل معدل وفيات الرضع لكل ألف مولود حي بين السعوديين إلى 7.4، وهو أدنى بنسبة كبيرة من المعدل الإقليمي 44، والمعدل العالمي 37. ومن المتوقع أن يرتفع متوسط العمر بين السعوديين ليصل إلى 77 عامًا، وأن يرتفع متوسط عمر السعوديين بما يزيد على أربع سنوات ليصل إلى 81.2 عامًا في 2040 مع زيادة خدمات الرعاية الصحية.

كما أن رؤية المملكة 2030 بما تضمنته من برامج ومشروعات لتحسين وتطوير خدمات الرعاية الصحية، وتحقيـق التـوازن فـي توزيعها بيـن مناطـق المملكة، وتفعيل الطب الوقائي، وتعزيز الصحة العامة، وتغيير أنماط المعيشة غير الصحية، وتعزيز مفهوم الرعاية الذاتية لدى أفراد المجتمع، وتحسين العناية المقدمة للمريض، كل ذلك سيسهم في تحقيق تحول حقيقي في رفع متوسط عمر الفرد السعودي.

فبعيدًا عن التحسر على (زمان الطيبين) دعونا لا ننسى كيف كنا نستخدم الزجاجات الملوثة للحصول على الأدوية من المراكز الطبية والمستشفيات المحدودة في بداياتها، والشوارع الترابية الضيقة التي تتقطع فيها بنا السبل حينما تنزل قطرات المطر البسيطة، فتغمر منازلنا الصغيرة المياه، ونحتاج إلى أيام للتخلص منها.. وأثوابنا التي تبقى معنا سنوات ونعطيها لمن هو أصغر منا ليستخدمها مرة أخرى.. أشياء وأشياء كثيرة تغيرت إلى الأفضل صحيًا وتعليميًا وعمرانيًا، وفي الواقع كان التغيير شاملاً لكل شيء بفضل الله ثم بفضل خطط التنمية المستمرة التي استهدفت توظيف مداخيل الدولة الضخمة لبناء الإنسان وتنمية المجتمع.

كنا لا نعرف شيئًا اسمه العشاء في (زمان الطيبين)، ومعظمنا يكتفي بوجبة أو وجبتين على الأكثر، ولا نعرف كثيرًا من الفواكه التي نراها على موائدنا اليوم، أما الآن فمن كثرة تنويع موائدنا وتعددها أصبحنا نفكر في تقنين غذائنا خوفًا من الأمراض المزمنة، وأهمها السكري والسمنة وما إليهما من الأمراض الأخرى.

نعم في (زمان الطيبين) كانت بيوتنا الطينية صغيرة ومتلاصقة، ويسكن فيها الأخوة مع أبنائهم، ويتوزعون السطح للنوم لعدم وجود التكييف الحديث. وهذه البيوت الطينية الصغيرة هي التي أتاحت للجميع فرصة اللقاءات المتكررة بين الجيران والأقارب مشيًا على الأقدام وبصفة يومية تقريبًا، فنادرًا ما نستخدم السيارة، ولكننا في تلك الأيام الخوالي لم نكن نعرف أيضًا كثيرًا من حياة الرفاه التي نعيشها اليوم، لم نعرف السفر للسياحة، ولم نعرف المطاعم الفارهة، ولا المستشفيات الحديثة، ولا المدن الجامعية المتقدمة، أما اليوم فحمدًا لله على هذا التقدم والتطور الذي تشهده بلادنا اليوم، ولنترك التحسر على (زمان الطيبين) ليبقى تراثًا غاليًا ومهمًا نبلغه للأجيال القادمة؛ ليروا ويعتبروا كيف كنا ببساطتنا ومحدودية ما نملكه في كل شيء، وكيف أصبحنا اليوم بمدن ومنشآت تضاهي المدن العالمية الحديثة لنكون من الشاكرين للنعم خوفًا من زوالها.

وهذا التراث الذي ينبغي فعلاً أن نحرص على أن تراه وتستوعبه أجيالنا الحالية والقادمة هو الهدف من الحديث عن (زمان الطيبين)، أما التحسر والتأسي على ما كان متوافرًا لدينا سابقًا وكأننا نعيش في عصرنا الحاضر عصر الفراغ الخالي من المفاهيم والقيم الجميلة، فهو اجترار للماضي الصعب الذي نسأل الله سبحانه وتعالى ألا يعود إلينا..

*نقلا عن "الرياض".

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات