يد واحدة ضد الفساد

عبدالمحسن الداود

نشر في: آخر تحديث:

أقترح أن تتولى هيئة الرقابة ومكافحة الفساد بصلاحياتها الجديدة متابعة منصة "اعتماد"، والتعرف على التظلمات أو الشكاوى فيها إن وجدت، ويكون لها الحق فيما لو لمست ترسية غير منطقية أن تطالب وتستفسر، فبداية شرارة الفساد تحدث مع هذه المنافسات..

حينما أكد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز - حفظه الله - أنه لا حصانة لأحد ضد الفساد، وأن هناك إجماعًا في البلاد على مكافحة الفساد، وأن المملكة لا تقبل فسادًا من أحد ولا ترضاه على أحد، فقد كان يعني ما يقول، فالقيادة حريصة على الاستمرار في محاربة الفساد ومكافحته بكل أشكاله وصوره. وما التغييرات الجذرية التي صاحبت إعادة هيكلة الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد، وضم هيئة الرقابة والتحقيق والمباحث الإدارية إليها، وإنشاء وحدة تحقيق وادعاء جنائي فيها، وتعديل مسماها إلى «هيئة الرقابة ومكافحة الفساد" إلا دليل على اهتمام القيادة بمحاربة الفساد، وسرعة البت في قضاياه، واستئصال جذوره بهدف الحفاظ على المال العام، فلا معاملة خاصة لمن تثبت عليه قضية فساد.

فالهيئة بصلاحياتها الجديدة لها حق السؤال والاستفسار إذا تضخمت ثروة الموظف الحكومي بشكل لا يتناسب مع دخله وموارده فجأة بعد توليه منصبًا معينًا، بناءً على قرائن مبنية على تحريات مالية بارتكابه جرائم فساد مالي أو إداري. ولها الحق أيضًا في التحقيق معه، ومتابعة مصادر هذه الأموال؛ للـتأكد من أنها نظيفة وليست مبنية على أي شبهات تتعلق بالفساد العام، وإحالته إلى المحكمة المختصة، وفصله من عمله إذا ثبت عبثه بالمال العام.

ومما يؤكد الاهتمام المباشر والمتابعة المستمرة للقيادة ما شهدناه من اهتمام صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء بتنفيذ توجيهات خادم الحرمين الشريفين بأنه لا حصانة ضد الفساد - إشارته في أكثر من مناسبة إلى ضرورة تحقيق النزاهة ومكافحة الفساد، وأنه لن ينجو أي شخص دخل في قضية فساد، سواءً كان وزيرًا أو أميرًا أو أيًا كان، وفوق ذلك تأكيده - حفظه الله - على التواصل المباشر معه في حال لم يتجاوب أي وزير في ملف مكافحة الفساد، فكل مواطن سيأخذ حقه المشروع من المشروعات والمعاملات الحكومية، فالمرحلة المقبلة مرحلة استئصال الفساد لدى الموظفين الحكوميين وغيرهم من الشركات والأفراد.

ولا شك أن هذه الإجراءات والتغييرات الجذرية ستسهم في تعزيز الشفافية، ورفع أداء وكفاءة العمل، وتحقيق مبدأ تكافؤ الفرص للجميع صغيرًا كان أو كبيرًا؛ ليكون له الحق في الحصول على فرص متكافئة مماثلة لما يحصل عليه غيره، كما أنها ستحارب الفساد بكل أشكاله وصوره في الهيئات والمؤسسات والقطاعات في المملكة، وحتى الشركات والمؤسسات والأفراد داخل المملكة وخارجها، ما سيؤسس لتكامل بين الجهات المعنية بمكافحة الفساد، ويكون لها تأثيرات إيجابية سريعة في ارتفاع جودة تنفيذ المشروعات الحكومية، وتقليل الفاقد في ميزانية الدولة حينما كانت تذهب أجزاء من تكاليف المشروعات الحكومية إلى جيوب بعض المتنفذين والمنتفعين بطرق غير نظامية، والنتيجة ضعف كفاءة تنفيذ المشروع التي لا تتوافق مع المبالغ الضخمة التي تم صرفها عليه.

ويضاف إلى توحيد منظومة مكافحة الفساد ما قامت به وزارة المالية من تأسيس منصة متكاملة لإدارة العقود والمنافسات الحكومية باسم "منصة اعتماد" بداية 2018، وتم تحديثها مؤخرًا قبل أسبوعين تقريبًا لتتضمن جميع المعلومات التي يحتاج إليها المتنافس للدخول في المنافسات الحكومية، سواء من ناحية عدد المشاركين ومقدار عروضهم، وترتيبهم، ومن ثم تحديد من تمت عليه الترسية، والأسباب الوجيهة للترسية، أو الاستبعاد. ووفق ذلك تستطيع كل مؤسسة أو شركة دخلت في منافسات حكومية التعرف على مسار أوراقها لدى الجهات الحكومية ومن قام بالتوقيع عليها، ومن توقفت عنده ولماذا، بل إن للشركة أو المؤسسة الحق في رفع تظلم إذا رأت أنها أحق من غيرها في الحصول على الترسية، وهذا مما سيعزز مبادئ الشفافية، ويقلل كثيرًا من تنمر بعض الموظفين أو المسؤولين تجاه الشركات والمؤسسات المشاركة عند الاستفسار أو المراجعة عن مصير منافساتهم..

ولهذا أقترح أن تتولى هيئة الرقابة ومكافحة الفساد بصلاحياتها الجديدة مسألة متابعة منصة "اعتماد"، والتعرف على التظلمات أو الشكاوى فيها إن وجدت والتحقق منها، بل يكون لها الحق فيما لو لمست ترسية غير منطقية على إحدى الجهات دون أخرى أن تطالب وتستفسر، فبداية شرارة الفساد تحدث مع هذه المنافسات، وما دامت منصة "اعتماد" قد وفرت هذه الشفافية العالية، فنريدها أن تكتمل بإعطاء الحق لهيئة الرقابة للمساءلة والاستفسار فيما لو وجدت أن هناك شكوكًا حول ترسيات معينة، ما سيعزز من مبادئ العدل وتكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين.

كما أن هذا المقترح من شأنه أن يساعد على بناء منظومة ثقافة مجتمعية ضد الفساد تقف ضده وتحاربه، فتكتمل بذلك جهود الجهات الحكومية مع تنامي ثقافة الأفراد نحو محاربة الفساد.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.