عاجل

البث المباشر

الدبلوماسية التجارية

قوة الدول في قوة ومتانة اقتصادها وتعدد روافده ومصادره، وهو سرّ نجاح الدول في تحقيق الأمن والرخاء في الداخل والنفوذ المؤثر في الخارج، والاقتصاد هو ما مكن الولايات المتحدة الأميركية من بسط نفوذها على العالم، ونشر أساطيلها في أعالي البحار، وضعف الاقتصاد هو الذي جعل الاتحاد السوفييتي يتهاوى رغم القوة العسكرية والقبضة الحديدية التي مارسها في الداخل، القوة الاقتصادية هي التي جعلت الصين نداً قوياً للولايات المتحدة الأميركية ومكّنها من التواجد في أوروبا وأفريقيا، بل وحتى داخل أميركا وشركاتها العملاقة.

ومن أهم وسائل تقوية الاقتصاد إصلاح التعليم والصرف بسخاء على الأبحاث والتطوير الموجه للتصنيع لزيادة المنتج المحلي، مع الحرص على التصدير ضمن استراتيجية وطنية مدروسة بعناية، ولذا كان من شروط تولي رئاسة الوزراء في اليابان هو أن يكون قد سبق له أن عمل وزيراً للتجارة والتصدير، وقد لفت انتباهي خبراً أوردته جريدة الشرق الأوسط عن تركيا وتخطيطها لزيادة صادراتها إلى ليبيا بمقدار عشرة أضعاف ما هو عليه اليوم وخلال سنوات قليلة، وهو ما يعني أن النفوذ العسكري والاقتصادي يسيران جنباً إلى جنب، ويتضح اهتمام تركيا بالتصدير منذ وقت مبكر حيث تم إنشاء جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين الأتراك (موسياد) التي تأسست في العام 1990، وقد رفعت عدد مكاتبها إلى 223 مكتباً حول العالم إضافة إلى 86 مكتباً في الداخل، وتضم 11 ألف عضو، ويعمل لديها 1،6 مليون شخص، وقد افتتحت فرعها في ليبيا في العام 2019، وقال ممثل الجمعية إنهم سيستفيدون من مذكرة التفاهم التي وقعت بين تركيا وحكومة الوفاق الليبية، وجعل ليبيا بوابتهم إلى الدول المجاورة لها، وهو ما يعني أن النفوذ التركي على مستوى العالم يعمل من خلال التجارة لبسط نفوذه على الدول المجاورة وفي أفريقيا بشكل خاص.

قبل سنوات حضر سفير إحدى الدول الأوروبية لمقرّ شركة وكالة السيارات التابعة لبلاده في الرياض، وحرص على التقاط صور له داخل المركبة الجديدة، وشارك في تدشينها، وهو ما يعني اهتمام سفارات الدول المتقدمة بكل ما له علاقة بزيادة الصادرات ومنها استقبال الوفود وتسهيل مهامهم وربطهم بأصحاب التجارة والنفوذ، مع منح الملحق الاقتصادي كل ما يحتاجه لإنجاح مهمته في فتح أسواق جديدة لمنتجات بلده وخدمة تجارها.

المملكة اليوم أحوج ما تكون لزيادة صادراتها مما يسهم في زيادة الدخل ونجاح الصناعات المحلية وتعزيز قوتها الناعمة والتي تعد من أهم أسباب النجاح في السياسة الدولية، ومن هذه الإجراءات ما يلي:

أولاً، التصنيع المعد للتصدير من أهم روافد الاقتصاد ودعم الناتج المحلي، مع التركيز على مواصلة الجهود لتشجيع الشركات المحلية على التصدير وتقديم الدعم والتسهيلات لها، لفتح أسواق جديدة بدعم من هيئة دعم الصادرات، ومن السفارات ومكاتب الملحقيات التجارية، والمشاركة في المعارض الدولية للتسويق للمنتجات الوطنية، وإقامة المعارض في الداخل وزيادة البعثات التجارية للخارج وتشجيع الغرف التجارية على فتح فروع لها في أكثر دول العالم وعلى غرار ما تقوم به جمعية "موسياد التركية"، مع التركيز على البلدان ذات الكثافة السكانية والانطلاق من مبدأ الربح للجميع.

ثانياً، زيادة الصادرات وفتح أسواق جديدة سيغري الشركات العالمية وخصوصاً من لها تعامل مع المملكة وقدرة على التصدير بفتح مصانع لها للتجميع والتصنيع المعد للتصدير، خصوصاً حين تتوافر لها التسهيلات والإعفاءات الجمركية والرسوم التي تجعل المملكة بيئة جاذبة ومنافسة للدول الأخرى، والاستفادة من ميزة قرب المملكة من الأسواق لموقعها الجغرافي، وتوافر المواد الأولية ورخص الطاقة ووجود المال.

ثالثاً، التجارة الإلكترونية أصبحت من أهم وسائل بيع المنتجات وتزداد أهميتها يوماً بعد يوم، وتعد شركات التجارة الإلكترونية من أسرع الشركات نمواً وأكثرها ربحية مثل شركة "أمازون" و"علي بابا" وشركات كثيرة في الطريق.

الاقتصاد هو أساس قوة الدول في مختلف المجالات الاجتماعية والعسكرية والسياسية، وتوجيه الدولة كل إمكاناتها لدعم هذا المجال كفيل بتذليل العقبات وجعل كل الجهود تعمل لإنجاحه، والمملكة اليوم برؤيتها 2030 تركز على تنويع مصادر الدخل، ولهذا ركزت على مكافحة الفساد العدو الأول للاقتصاد، وقامت بتوقيع مذكرات تفاهم مع أكثر الدول، وسعت جادة لإحلال السلام في المنطقة، وهذا من أهم عوامل الازدهار الاقتصادي وجذب الاستثمارات.

*نقلا عن الرياض

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات