عاجل

البث المباشر

بقيق خارج فعاليات «سفاري بقيق»

لأنه مرتبط باسم مدينة.. عشت في ربوعها فترة الطفولة.. كان الحنين يشد.. في هذا الموسم.. جاءت الهمّة.. وحضرت الفرصة.. فقررت زيارة فعّالياته.. برفقة حفيدي (مدين).. القادم من مدينة جدة لزيارتي.. أغريته بـ(التطعيس).. وخوض مغامرة تحدي الرمال.. صورت نفسي الشابة.. التواقة.. في قالب الحماس.. علّها تكون بذرة طموح.. في مستقبله.. وهو الطالب.. بالصف السادس الابتدائي.

الساعة الثانية ظهرا، انطلقت من الدمام، بسيارتي ذات الدفع الرباعي، بابين، بلون أبيض، تحمل في مقدمتها، شعار شبك الشركة، ذا السبع فتحات، حيث يزيد من تفاؤلي، بالرقم (7)، المُحيّر بطلاسم مغزاه، للعرب العاربة عبر التاريخ.

كنت أحكي لحفيدي بطولات شبابي في المدينة النفطية، الأهم في العالم. كان في كل مرة يسأل عن اسمها الصحيح، فأعمل لتصحيحه. وصلنا.. فاتجهت فورا إلى البيت الذي سكنت فيه، وسجلت بين جدرانه، بطولات دراستي في الصف السادس الابتدائي، والمرحلة المتوسطة، الأفضل والأهم. وقفت أمامه لحظات، كأني استمع لصوت ذاكرة المكان ترحب.

ثم انتقلت بحفيدي لذكريات الصف الأول الابتدائي، عندما (حملني) أبي رحمه الله، بعيدا عن أمي، وكنت على مشارف سن السادسة من العمر، جاء بي من قريتنا بمنطقة الباحة، بهدف تدريسي، لعدم وجود مدرسة في القرية، كان ذلك عام (1961م). هكذا تأسس تعليمي في بقيق.

توجهت بحفيدي إلى طرف المدينة الشرقي، حيث سكة الحديد، ثم منطقة أرامكو، حيث كان يسكن أبي. شرحت للحفيد، أنني كنت أقطع تلك المسافة، مشيا على الأقدام، إلى الطرف الآخر من المدينة حيث المدرسة. وأثناء السير تفاجأت باختفاء أهم معالم المدينة التي أعرف، خزان الماء الذي كان ينتصب كالمارد في سماء بقيق، وكان مرشدي في ذلك الوقت على الدرب الصحيح.

كنت أمر من جانبه في الذهاب والعودة من المدرسة. شكل عندي جزءا من ذاكرة المدينة. كنت أراه من بعيد، فأهتدي بقامته الممشوقة في عنان السماء.

كان شاهدا على تأسيس هذه المدينة النفطية في وسط الصحراء. وكنت قد حدثت الحفيد عن هذا الخزان. وصلت منطقته ولم أجده، لكن وجدت خزانات بديلة جاثمة على الأرض. حمدت الله أن وجدت عذرا لأقول للحفيد إنهم استبدلوه بدون إذن مني.

شرحت لحفيدي قصة المشي اليومية، كانت رحلة إلى المدرسة ومنها إلى محل سكن الوالد. وقفت على معالم طريق طفولتي اليومي، من شوارع وبيوت وساحات فراغ. شرحت اجتيازي سكة الحديد، والأماكن الرملية الواسعة الخالية عن يمينها وشمالها. ثم أخذته إلى منطقة السكن التي كانت مخصصة لموظفي أرامكو، العزاب، وتدعى (اللاينات). تمت إزالتها بحجة إنشاء مصنع للكبريت كما كنت أقرأ.

تساءل حفيدي قائلا: هل كنت تقطع هذه المسافة لوحدك؟ صدمة السؤال حركت الخيال حول مشواري القديم. وبدأت في نسج أثواب الفروقات والتغير. وبدأت أتساءل مع نفسي عن نفسي، كيف كنت أقطع كل هذه المسافة لوحدي كطفل يدرس في أول ابتدائي؟ كرر السؤال. فأجبته بنعم. صمت قليلا وقال يعني كان عمرك مثل عمر (إرم) و(يزن)، قلت نعم. هما أحفادي يدرسان في الصف الأول الابتدائي. فساد الصمت، وتوقفت الأسئلة.

ماذا كان يحمل صمته؟ أي صدمة تلقاها؟ أي خيال عاجز عن تخيل واقع ذلك الزمن؟ لم أشغله بنفسي خوفا من تساؤلاته. أعطيته الفرصة لينطلق في الخيال مع جواله، بأنامل طرية دائمة الحركة، لها وظيفة البحث، إلا عن ماضينا الذي لم تسجله ذاكرة محتوى الجوال ومعلوماته.

أبحرت مع لحظات.. ليس لها تفسير.. كانت رحلة يومية.. حقيقية.. لطفل.. بقيت أسأل.. كيف استطاع ذلك الزمن.. وأد طفولتنا.. وتربيتنا.. كرجال صغار.. بثقة الكبار في أنفسهم؟ ويستمر الحديث بعنوان آخر.

نقلاً عن "اليوم"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات

الأكثر قراءة