عاجل

البث المباشر

التقنية والموْت.. مفارقة حارقة!!

فكرتُ في هذا الأمر كثيراً، بطرق مختلفة.. أولَ مرة كانت قبل خمس سنوات، وربما أكثر.. لم أقرر حينها.. أصدقكم القول إني جَبُنتُ.

عدتُ للتفكير في الأمر حين توفي نجيب الزامل، صاحب القلب الكبير. لم يكن نجيب نوعي المفضل من المثقفين -إن صح التعبير- لكني كنت أتابعه في تويتر، وأُعجبُ بخلُقه وسعة صدره.. حين مات نجيب، فكرت.. هل ألغي متابعتي لحسابه؟ هل سيشعر أن عدد متابعيه قد نَقص؟ هل سيهم الأمر أي أحد إن فعلتُ وإن لم أفعل؟ لاحظوا أن هذه أسئلة أحضرتها لنا التقنية الحديثة؟ أسئلة غريبة؟ ساذجة ربما؟ لكنها لا تخلو من مفارقات ساخرة؟ وحارقة أحياناً؟ هل فكّرَ أحد متابعي نجيب الزامل بهذا الأمر كما فعلت أنا؟ على الأرجح نعم! وربما لا!

كتبتُ مرة مقالاً عن هذا الأمر!! لعلكم تذكرونه..

تحدثت فيه عن قصيدة غازي القصيبي (دفتر الهاتف)، يشتكي ويسأل: هل يبقي رقمَ صديقه أم يشطبه من دفتر الهاتف؟: «وفجأة نذرف دمعتين.. لأننا ندفن من نحب مرتين».. هل مسحَ أصدقاءُ القصيبي رقمه الآن؟

المشكلة مع التقنية أن الاسم قد يقفز أمامك في أي لحظة.. هكذا مثل خنجر أندلسي!! وقد تقفز مع الرقم ذكرى.. تضحكك وتبكيك.. وتشمّت الأيامَ فيك!

بحثت في الواتس قبل عدة أسابيع عن معلومة معينة، وفجأة وجدتني في محادثة مباشرة مع صديقة قديمة، ضحكتُ وأنا أقرأ.. كانت المسألة عناداً أو شيئاً يشبه ذلك، له علاقة بالشعر، وبكاظم الساهر، في نهاية المحادثة وعدتْني أنها ستزودني بوثيقة تثبت صدقَ قصتها عن القصيدة، لم يحدث ذلك بطبيعة الحال.. لم تُمهلها الأقدار، توفاها الله.

حدث ذلك أيضاً مع محمد النمر، صديقنا المصري من أيام جريدة المدينة، كان النمر أستاذ الأرشيف، أرشيف الصور... حين يكون في مزاج طيب، يصبح فناناً في اصطياد الصور المطلوبة لخبرٍ ما، في ذهني الآن عشرات الأمثلة والقصص، لكن النمر حين يكون في غير مزاجه، لن تصطاد معه أي شيء.. كنتُ حين أحتاج صوراً خاصة لتحقيق مهم أو خبر خاص، أرسل له على إيميله بريداً مدبّجاً بعبارات التحفيز والثناء والغزل، لعلي اصطاد النمر في مزاجه.. وقبل سنين قفز اسمه لإيميلٍ ما دون دعوة أو سبب.. لم تكن هناك حاجة لأرسل البريد، لأَنِّي تركتُ المدينة، ولأن النمر كان قد أغمض عينيه للأبد.

كثيرة هي القصص.. أعلم ذلك، نشترك فيها سوياً..

هذا الأمر فكرتُ فيه كثيراً، بطرق مختلفة.. منذ خمس سنوات.. وربما أكثر. لم أقرر..

لأنني - أصدقكم القول- جَبُنت..

في مقالي الذي تناولت فيه هذه القضية، تحدثت عن صديقي فهد، ذلك الذي سقط عن حصانه.. ثم ابتسم كعادته، وغادر.. بعدها بأسابيع جاء العيد، فوجدتُ نفسي في صراع وجودي، لأَنِّي اعتدتُ لسنين أن أرسل له رسالة تهنئة خاصة بالعيد، وكان يحب ذلك مني.. حينها كنت أتساءل: هل أحذف الرقم كي لا أضع نفسي في هذا الموقف مرة أخرى؟ لكنني في لحظة جنون وجرأة أرسلت على جوال فهد: «عيدك بهجة وبركات يا فهد.. كل عام وأنت -ومن تحب- بكل خير يا صديقي.!! «

بعد لحظات جاءتني رسالة رد من جوال فهد!!!

في سيرتها الذاتية تتذكر رضوى عاشور -وهي تصارع المرض- أمَّها الميتة منذ زمن.. تقول: «ربما بسبب هذه المكالمات كانت تحدوني الرغبة في الاتصال بأمي.. أنتبه أن الخط مقطوع.. وللمحة أستغرب أن التكنولوجيا الحديثة التي أصلتْنا لعجائب أقرب إلى المعجزات.. فشلتْ في إقامة اتصال من هذا النوع»!

منذ سنين.. وأنا أفكر في رقم جوال أبي!!

أسميه في جوالي (بابا)؟ لذلك يقفز (بابا) كلما وضعتُ حرف الباء في خانة البحث!

تقفز (بابا).. وتعتري الروحَ وحشة.. كأنّ أبي داخلَ هذه الروح.. يطفئ الأنوار كعادته!!

أصدقكم القول..

كل مرة تقفز فيها (بابا) لعيني من شاشة جوالي.. يأكلني الخوف!!

أودّ أن أتصل.. على (بابا)

وأخشى أن يرنَّ الهاتف..!

وأخشى أكثر.. ألا يرد!!

*نقلا عن المدينة

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات