الثقافة ونهضة الأمم

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

ركز الدكتور زكي نجيب محمود في مؤلفاته الكثيرة على أهمية دقة التعريف حتى نفهم المعنى ومن ثم ننطلق للمشاركة في الرأي، لذا من المهم أن نعرّف الثقافة ولا نحصرها في مفهوم ضيق كالفنون والآداب فقط، لكنها المحرك لتصرفات الفرد، والمؤثر الحقيقي لمسيرة الأمم، فالثقافة هي المحصلة لكل ما نؤمن به من معرفة وعقائد وعادات وقيم وأخلاق وفنون وآداب وتعليم وأنظمة، أي أنها محصلة ما يتعلمه الفرد منذ صغره، وهذا يعني أن الإصلاح الثقافي بحاجة إلى مراجعة كل ما سبق وتصحيحه وإبراز ما يتناسب ومتطلبات العصر الذي نعيشه حتى يكون داعماً ومؤثراً وصانعاً لثقافة عصرية تحث على البناء والتعايش والسلام، ثقافة لديها القدرة على احتواء كل ما يسمو بالأخلاق، ويرتقي بالذوق العام، ويحافظ على مكتسبات الوطن، وحماية البيئة بكل مكوناتها.

وحين نراجع أهم ما قامت به الدول التي نهضت ووصلت إلى العالم المتقدم نجد أنها بدأت بالإصلاح الثقافي رغم ما يمر به هذا العمل من مصاعب وحواجز ومثبطات، لكن الإرادة السياسية والرغبة في التقدم تذلل المصاعب وتجعل العمل ممكناً، وتسهم في نهوض كل أوجه الحياة، والإصلاح الثقافي بالنسبة للمملكة مهم وفي هذا الوقت بالذات من أجل المساهمة في تحقيق الرؤية التي تنشدها القيادة، وحتى تتبوأ المملكة مكانها اللائق بين دول العالم المتقدم بكل ما فيه من قوة واستقرار وأمن ورخاء.

وحين نستعرض أمثلة من التاريخ الحديث نجد أن الدول التي نهضت بدأت بمراجعة كل الروافد التي تغذي الثقافة من تعليم وتراث ومعتقدات وعادات وفنون، واستبعدت كل ما من شأنه أن يكون عامل تثبيط أو تواكل أو روح عدائية ضد الآخر، وأبرزت كل ما يحث على البناء وامتلاك القوة والمساهمة في تنشئة مواطن سليم في عقله وبدنه وتصرفاته، فاليابان على سبيل المثال وكما ذكر المستشرق الياباني "نوبوأكي نوتوهارا" في كتابه "العرب من وجهة نظر يابانية" ذكر أن اليابان راجعت كل مخزونها الثقافي وجعلت هدفها هو التقدم والتوجه لامتلاك أهم مصادر القوة وهو بناء الإنسان ونبذ الروح العسكرية العدائية والغزو العسكري للدول المجاورة، وأسندت القرارات المصيرية للبرلمان وإقرار دستور يكفل ذلك، ومن هنا انطلقت نهضتها من ركام دمار الحرب والبطالة والفقر إلى التركيز على الاقتصاد المبني على إنتاج سواعد وعقول أبنائها، وما تجود به جامعاتها ومراكز أبحاثها ومصانعها.

وهكذا كانت الحال في كوريا الجنوبية في عهد رئيسها الفريق بارك الذي أنشأ لجنة خاصة تراجع الثقافة السائدة بكل مكوناتها لتفرز منها ما يناسب العصر والتطور وجعله ضمن مناهج التعليم والإعلام والفنون، واستبعاد كل ما لا يتناسب مع روح العصر، بعكس كوريا الشمالية التي سارت على خطى الاتحاد السوفييتي وأيديولوجيته التي لا تقيم وزناً للفرد وقدراته وحريته وإبداعاته.

ومن الأمثلة الحية سنغافورة التي قفزت إلى مصاف الدول المتقدمة رغم التحديات الكثيرة التي صاحبت استقلالها عن بريطانيا وانفصالها عن ماليزيا، فركزت قيادتها السياسية على بناء الإنسان، فكانت أولى خطوات الإصلاح هي تطوير التعليم وحسن إعداد القادة ومكافحة الفساد بكل أنواعه، والاهتمام بالبيئة، وأرسل باني نهضتها "لي كوان يو" الوفود تجوب العالم تبحث عن الفرص وتدرس التجارب وكان "لي كوان يو" على رأس أهم الوفود واللجان التي تضع الأسس لبناء النهضة التي جعلت دخل الفرد في هذه الدولة الصغيرة هو الثاني على مستوى العالم.

المملكة اليوم تعيش أفضل الفرص للتحول إلى دولة عصرية قوية تمتلك كل مقومات القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية والاجتماعية مما يحتم مراجعة المكون الثقافي ومن خلال تشكيل لجنة من المفكرين والمختصين للتركيز على كل ما يدعو للقوة وتقدير العمل وتوضيح الفرق الكبير بين التوكل والتواكل، وضرورة التعايش مع الآخر المختلف كما أعلن عنه في وثيقة مكة المكرمة التي صدرت عن رابطة العالم الإسلامي في العام الماضي، ووضع ذلك ضمن المناهج ومواد الإعلام والأنشطة الثقافية والترفيهية، لتصب جميعها في بناء مجتمع سليم متحفز ومتعايش مع الآخر.

المملكة مهيأة لقيادة العالم العربي ثقافياً بما تملك من مقومات النهضة الثقافية وأهمها القيادة الطموحة والمدركة لأهمية الثقافة وتأثيرها، وتوفر العنصر البشري المتعلم، وأجواء الحرية التي تسمح بالمراجعة والتصحيح والنقد البنّاء، دون التعرض للماضي ورموزه باللوم أو التجريح؛ فتلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولنا ما كسبنا.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.