فضيلة الفاروق

نشر في: آخر تحديث:

يبقى الكاتب مجهولا لقرائه ونُقّاده إلى أن تخرج رسائله الشخصية من الأدراج، تُرسم له شخصية مغايرة لشخصيته من خلال ما توحي به نصوصه الأدبية، وأعتقد جازمة أن نظرية موت المؤلف من أكثر النظريات طعنا له، كونها تذهب في اتجاه واحد، يجرّد النص الأدبي من صوت الكاتب ويحوّله إلى كومة من الكلمات.

بين المجموعة القيّمة التي أصدرتها منشورات الرافدين بالتعاون مع منشورات تكوين في ثلاثة أعمال فقط، عن الرسائل الشخصية لكتاب مشهورين، منهم فلاديمير نابوكوف، كافكا، سيلفيا بلاث، مارسيل بروست، غوركي وتولستوي، يونغ وفرويد، وأوسكار وايلد.

حوت الرسائل الأسرار التي ظلّت مختبئة خلف ظلال الوجه المكشوف لأصحابها، فقد كان إجحاف المناهج المطبّقة عليها مقتصرا على قراءة ما ظهر، أمّا ما خفي فقد قُرئ حسب الأهواء الشخصية لكل قارئ.

بالتأكيد بإمكان النص أن يشي بصاحبه في مواضع كثيرة، لكن هل يمكن للقارئ أن يعرف خوف الكاتب ومراوغته للرقابة مثلا؟ هل يمكنه أن يرى ما حذف من صفحات، وفقرات، وكلمات؟ هل يمكنه فهم عصر النص المكتوب الذي يختلف تماما عن عصره كقارئ؟

تحضر الاحتمالات، والقراءات العديدة لتبقى حبيسة ما نجهله من تفاصيل، حتى أنّنا نجهل الظروف النفسية المصاحبة لكل نص سردي، من فرح وحزن وخيبة، وغضب، وانزعاج، وما إلى ذلك من تقلبات المزاج وهيامات العاطفة، وتمازج المخيلة بما يطرحه العقل من أفكار.

في رسائل أوسكار وايلد من السجن، يقول: "إنني لا أدافع عن سلوكي، بل أوضحه"، يفعل ذلك وهو المولود في 1854 من أب طبيب وأمٍّ كاتبة ومترجمة، والمتخصص فيما بعد في علم الجماليات، متشبعا بالعلم من جامعات ترينتي في دبلن، ومجدولين في أكسفورد ولندن، ليشرح نفسه، بعد أن اكتشف أن نصوصه عصية على الفهم لمن قاموا على محاكمته بقراءتهم السطحية له واستعمال مادته الأدبية والفكرية كأداة لإدانته، لقد أُلغِي صوته، واكتفى جمهوره العريض الذي مجّده في وقت سابق على الإصغاء للأحكام التي دانته، فاختلفت زوايا النظر إلى شخصه من خلال النصوص المسرحية نفسها التي صفق لها كثيرا.

هل يمكن للقارئ أن يلغي قناعاته بمجرّد تغيير وجهة منظاره؟ نعم هذا ما حدث لوايلد، حين أُخرِج من المصح ليُنقَل للسجن، فوقف نصف ساعة تحت المطر في انتظار عربة السجن، وجمعٌ من الشتّامين يبصقون عليه ويسخرون منه وصفها بالعصبة المتهكِّمة، مضيفا في رسائله: "لمدّة عام تلا ما حدث، بكيت كل يوم في الساعة نفسها، والقَدْر ذاته من الوقت"، خرج وايلد من السجن حاملا نسختين منه، نسخة العبقري الذي حظي بصيت أسطوري، ونسخة المنبوذ المحتقر، بينهما تكونت أمامنا صورة وايلد الحقيقية بجانبيها المظلم والمضيء، مع بطاقة تعريف جديدة لم تناسب عصره بقدر ما ناسبت عصرنا.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.