عاجل

البث المباشر

المجالس مدارس

«المجالس مدارس» حكمة تزداد أهميتها مع كثرة المغريات والملهيات التي أصبحت تأخذ حيزاً كبيراً من أوقات الشباب واهتماماتهم، وعلينا أن نفهم الشباب ونحترم ذكاءهم وننصت لهم، ونتحدث معهم بما يناسبهم بعيداً عن النصح والوعظ الذي ينفر ولا يجد قبولاً..

ذهبت وزميلان إلى محافظة الغاط، لتبدأ الرحلة بالوقوف على المطل الواقع على حواف جبال طويق المطلة على لوحة فنية جميلة رسمتها الطبيعة بكل تفاصيلها، وتدرجت المناظر من الجبل إلى الوادي ثم الأراضي المنبسطة وانتهاء النفود برماله الذهبية، زرنا المتحف والمنتزهات وصعدنا الجبل لنتناول الشاي في غار مطل على المزارع التي لا تمل العين من النظر إليها، لكن أكثر ما أسعدهما وطالبا بتكراره هو تلك الزيارة لصديق قديم تجاورت أسرته مع أسرتي في البلدة القديمة، كان اللقاء في وادي عضيدان بين أحضان الطبيعة وسحرها وهدوئها الذي زاده حسناً هديل اليمام ونداء الحجل وتسبيح العصافير التي ظلت طوال الوقت قريبة منا، ذلك أنه أوجد لها مشرباً في منتصف الجبل يملؤه بالماء كل يوم، والأجمل أنه قال: أرحب بكل الزائرين إلى الوادي بشرط ألا يكون معهم بنادق صيد، لقد كان حقاً رجل بيئة بكل ما تتطلبه البيئة والحياة الفطرية من حماية وعناية.

ومن أجمل ما في الجلسة وأكثرها فائدة حضور أبنائه وقيامهم بكل ما تتطلبه الضيافة من إعداد وتقديم، وحين أثنيت على هذا العمل أجاب مضيفنا: هم الذين يبادرون إلى ذلك ويستمتعون بما يعملون ويتعلمون الكثير من خلال اللقاءات مع مختلف الثقافات، ثم أضاف: قبل عام استضفت وأبنائي أحد الأصدقاء ومعه ضيف من دولة أوروبية، وقد تولى المرافق ترجمة ما كان يقول ذلك الزائر ومن ضمن ما قال: أهنئكم على هذا الترابط الأسري وهذا العمل الذي يقوم به الأبناء، ويعجبني كثيراً إنصاتهم وتقديرهم لوالدهم وللضيوف. وقبل نهاية اللقاء أضاف وبشيء من الحسرة ممزوجاً بالدعابة: لدي ابن وبنت سلوكهما مختلف وأتمنى لو استطعت أن أتركهما مدة شهر هنا ليتعلموا بعضاً من عاداتكم، وما لمسته من كرم واحتفاء بالضيف، وأكثر ما أعجبني ترابطكم الأسري وخدمة أبنائكم لكم، وهذه نعمة لا يقدر قيمتها إلا من افتقدها، والأسوأ أنه مع التقنية وتقدم وسائل الاتصال ازدادت الهوة والتباعد بين الأولاد وآبائهم وأمهاتهم.

مثل هذه اللقاءات مع زائري المملكة يترك في الذاكرة أشياء جميلة، ومن أجملها إنسان هذه الأرض بطيبته وكرمه وحسن تعامله مع الآخر، وفي هذا المقال أود أن أركز على النقاط الآتية:

أولاً: وكما هو عنوان المقال فإن المجالس من أفضل المدارس للتعلم من أصحاب الخيرة وكبار السن، فالعادات والقيم تتوارث من الآباء إلى الأبناء ومن الأمهات للبنات بالقدوة والتكرار أكثر من أي شيء آخر، ولهذا نجد أن سلوك الشباب يختلف من أسرة لأخرى وحسب ما يسمع ويرى، وأعرف شبابا أثروا بسبب مجالسة أقرباء وجيران من ممارسي تجارة الأراضي والبناء في زمن الطفرة، ومنهم من مارس نفس الأنشطة التي سبقهم إليها أقارب لهم، وعلى العكس منهم فقد سقط في براثن المخدرات والديون من جالس سيئي الخلق من أصدقاء السوء، ومن الأمثال الصادقة قولهم: "أخبرني من جليسك أخبرك من أنت" ومن هذا المنطلق يجب أن نحرص على اصطحاب الأبناء وإشراكهم في اللقاءات الاجتماعية وأن تكون أحاديثنا في المجالس بعيداً عن كل ما يؤصل للشعوذة والسحر، أو جعل المرأة موضوعا للتندر، أو القسوة على الطفل أو التدخين أمامه وغير ذلك من العادات المضرة، أو ترديد الأمثال المثبطة التي تدعو للكسل والتواكل.

ثانياً: الإنسان هو من يعمر الأرض أو يدمرها، وهو أفضل من يعطي الانطباع الجيد أو الرديء عن أسرته وبلدته ووطنه لكل زائر وسائح وحاج ومعتمر، والمملكة بخطوتها المباركة لتصبح وجهة سياحية عالمية ستنجح بإذن الله بجهود الدولة ووعي المواطن بأهمية السياحة وما لها من فوائد اقتصادية وقوة ناعمة مؤثرة، والحرص على إعطاء صورة مشرفة عن ساكن هذه الصحراء وجبالها وسواحلها ومجاورة مقدساتها وتعدد ثقافاتها، وخصوصاً ما يتمتع به المواطن من كرم وسماحة. فكل فرد من مملكة الإنسانية يجب أن يكون سفير بلاده داخل وطنه وخارجه.

"المجالس مدارس" حكمة تزداد أهميتها مع كثرة المغريات والملهيات التي أصبحت تأخذ حيزاً كبيراً من أوقات الشباب واهتماماتهم، وعلينا أن نفهم الشباب وأن نحترم ذكاءهم وننصت لهم، والتحدث معهم بما يناسبهم بعيداً عن النصح والوعظ الذي ينفر ولا يجد قبولاً لكثرة ما سمعوه من الأهل وفي المناهج الدراسية.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات

الأكثر قراءة