عاجل

البث المباشر

عبدالله بن بخيت

كاتب سعودي

كاتب سعودي

تحدي الإعلام الجديد

في الحديث عن الإعلام الجديد لا يرى كثيرون أي سبب يدعو الوسائل التقليدية للبقاء، فخروج الورق من أيدي الناس أصبح حتمياً. ثمة مشكلات يجب حلها قبل المضي في ترك الماضي والاستقرار في المستقبل الذي بدأت إرهاصاته.

الصحافة ليست الورق، الجميع يعرف هذا، هي مفهوم عمل مركب من عدة أنشطة، خبر ورأي وتحليل وتغطيات.. إلخ. لا يمكن أن تقرأ الخبر في مكان وتقرأ الرأي في مكان آخر. ولا يمكن إحلال التغطية الشفاهية المصورة في مكان التغطية المكتوبة. القراءة جزء من الكتابة ومشاركة في إنتاجها، منذ أن تمدنت البشرية سارت الشفاهية مع الكتابة، لكل وسيلة دور، أصبحت الكتابة حاضنة للفكر والفلسفة والعلم والنصوص الجادة بينما الشفاهية بقيت دائماً للتسلية والتعبئة والخطابات الحماسية وللتلقين المدرسي والوعظ، يتحدث الحكواتية في المقاهي عن تاريخ يختلف عن التاريخ المدون في الكتب وإن كان موضوعهما واحداً.

بقراءة تاريخ الحضارة سنرى أن المكتوب هو الذي زاحم المسموع وليس العكس. لم يكن المسموع سبباً في تطور الإنسان. منذ أن بدأت الخليقة والإنسان ينقل تجاربه وأخباره عبر الشفاهية ولكنه بدأ يتطور عندما اخترع الكتابة وتطور أكثر عندما اخترع الآلة الطابعة. لا يمكن حتى الآن أن يحل المسموع مكان المقروء. الأجهزة الحديثة إذا لم تتضمن المكتوب فلن تحقق أي نجاح وهذا يعني ما سيسقط من الصحافة هو الورق وليس الصحافة.

لا يمكن أن أقرأ خبراً في تويتر ثم أبحث عن تحليل في مكان آخر ثم أبحث عن الرأي في مكان ثالث. هذه الأبعاد تتضافر لتكون في النهاية شيئاً واحداً، الرز والزيت واللحم والطماطم والبصل.. إلخ تشكل مواد الكبسة وليست الكبسة. لا يمكن لأحد أن يتناول الرز وحده واللحم وحده والطماطم وحدها والبصل وحده ثم يقول تناولت كبسة.

المفاهيم الصحفية ستبقى وتتطور وتتكيف مع الوسيلة الجديدة فقط، كان الإنسان يسافر على الجمل ومع اختراع الطائرة تخلى عن الجمل ولم يتخلَ عن السفر، سوف تضيف الصحافة قدرات جديدة على قدراتها القائمة، تخليها عن الورق في الواقع هو تخلٍّ عن عبء كان يثقلها في التكاليف ويصادمها مع البيئة التي يفترض أن تتولى حراستها، ما نشاهده من عثرات في بعض الصحف يعود إلى تداخل جيلين، جيل تربى على الصحافة الورقية وجيل جديد يفارقها، جيل الصحافة الثالث لن يكون الورق جزءاً من تجربته ومعه ينتهي هذا الجدل.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات