عاجل

البث المباشر

حديث كورونا

هو حديث ذو شُجُون، أي: ذو طرق، فإذا قلت: حديث ذو شجون؛ فإنك تقصد أنه حديث متعدد النواحي، وبعضه يدخل في بعض، وهو مَثَل عربي أول من قاله: «ضبة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر» في قصة معروفة في كتب الآداب والأخبار، قال فيها ضبة ثلاث مقولات ذهبت أمثالاً، هذه إحداها، والثانية: «أسعد أم سعيد» والثالثة: «سبق السيف العذل».

وفي حديثنا عن كورونا فقد تناولت الفتاوى الفقهية مسألة الأمراض المعدية وقررت أنه لا يوجد مرض يستحيل الشفاء منه بنص الحديث النبوي، الذي يقول فيه عليه الصلاة والسلام: «ما أنزل الله عز وجل داء، إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله «وهذا حديث عظيم؛ لأنه يفتح آفاقاً واسعة، فهو يعطي المريض مهما كان مرضه الأمل في الشفاء، ويعطي الطبيب والعالم والباحث المختص العزم والمثابرة لإيجاد الحلول العلاجية مهما كانت الأمراض مستعصية.

ولو كنت مقترحاً على وزارة الصحة شيئاً بهذا الخصوص؛ لاقترحت أن تجعل هذا الحديث في شعارها، مثلما وضعت وزارة الخارجية في شعارها الآية القرآنية الكريمة:»يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا» فإن هذه الآية الكريمة تدعو للتعارف الإنساني والتبادل المصلحي، وذلك الحديث يفتح الأفق الطبي على أوسع نطاق في ناحيتيه: العلاجي والبحثي.

كما تقرر الفتاوى الفقهية: أنه يجب أخذ الحيطة والحذر، ومن ذلك ألا يختلط المصاب بمرض معدٍ مع غيره، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يُورِدَنَّ مُمرض على مُصِح»، وثبت عنه أيضاً: أن وفد ثقيف قدم إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكان في الوفد رجل مجذوم، فأرسل إليه صلى الله عليه وسلم: «ارجع فقد بايعناك».

وكون المريض بمرض معدٍ يعزل عن الأصحاء ويتخذ الاحتياطات اللازمة، لا يتعارض - أبداً - مع الإيمان بالقضاء والقدر، وليس فيه ضعف للتوكل على الله تعالى، بل ذلك من ضمن الأسباب التي أُمرنا باتخاذها مع التوكل على الله تعالى، فإن المسلم يؤمن بأن هذه الأمور لا تعدو أن تكون أسباباً، والذي يقدر الأقدار، ويصرف الأمور هو الله تعالى.

وتؤكد الفتاوى الفقهية على أنه ينبغي للمجتمع أن يعتني غاية العناية بالتعليمات الطبية التي تنشرها جهة الاختصاص، والفقهاء يُعنون بما ينبه عليه الأطباء في تقريراتهم العلمية ذات الصلة، ولم يكن ذلك وليد التقدم الطبي الحديث، فمنذ فجر الإسلام والفقهاء يرجعون إلى ما يقرره الأطباء في الأمور ذات الصلة، فهذا الإمام الشافعي حينما سئل عن استعمال الماء المشمَّس «الذي وضع في الشمس للطهارة»، قال: «لا أكره المشمَّس؛ إلا أن يُكره من جهة الطب». يعني: ليس في استخدامه كراهة شرعية، إلا إن قرر الأطباء أن استعماله مضر بصحة الإنسان.

حديث «كورونا» يخبرنا عن المدى الواسع لاتصال البشرية، ما يؤكد عليهم الأهمية البالغة لأن يبحثوا عن القواسم المشتركة التي يؤسسون عليها نقاط التفاهم والتعاون، فإن الأرض تتسع للجميع، وما أودع الله فيها من خيرات وبركات يكفي الجميع إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولو تعاونوا في جميع شؤونهم الحياتية لازدادت الخيرات والبركات ولما بقي محتاج ولا جائع.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.
رابط مختصر

إعلانات