عاجل

البث المباشر

زياد آل الشيخ

<p>كاتب اقتصادي سعودي</p>

كاتب اقتصادي سعودي

حرب الإنفلونزا العالمية الثانية

في مثل هذه السنة العام 1920م انحسرت جائحة الإنفلونزا الإسبانية بعد أن أصابت ربع سكان الكرة الأرضية. كان أمام البشرية مئة عام من الفيزياء النسبية، مئة عام من الهندسة الوراثية، مئة عام من انشطار الذرة الهيدروجينية، من فك الجينوم البشري على طاولة المجهر النووي، مئة عام حتى يعود هذا الكائن البروتيني ليلكم العالم في خاصرته مرة أخرى.

مئة عام من الحروب النووية الساخنة والباردة، مئة عام من حروب الطوائف والأيديولوجيا، من حروب اقتصاد السوق واقتصاد الكربون، من حرب النجوم واكتشاف الفضاء السحيق ومحاكاة الانفجار الكبير؛ مئة عام لم تكن كافية لصناعة واقٍ من رصاص الإنفلونزا يحمي رئة الإنسان الهشة من الاختراق.

في حرب الإنفلونزا توقفت محركات الفانتوم عن الدوران أمام شبح الفيروس الجارف، فلا صواريخ الذكاء الاصطناعي بخرائطها الرقمية وقنابلها العنقودية تستطيع تنفيذ مهمتها في مفازة الوباء الجائح، ولا تروس الاقتصاد الصناعي المدجج بذكاء الآلة والبيانات الضخمة بقادرة على إنتاج ما يكفي من دروع وخوذات ومتاريس لحماية الخط الأول من المقاتلين والجرحى.

أفاق العالم على عجزه من مقاتلة عدو ينتقل في عروق المجتمع ودهاليزه بالحب. حرب أصبح الحب فيها السكين التي يمسك بها عدوك وأنت منشغل بمراجعة جدول أعمالك لليوم الذي يليه قبل الذهاب إلى النوم. عدوك الذي يعبر من الجسر الذي أقامته يدان للمصافحة بعد عناق طويل ودعاء بدوام الصحة والعافية.

العالم الذي تفتح كوردة ريفية زرقاء تحت شمس العولمة أمس، ينكمش سريعاً على نفسه كالحلزون اليوم خوفاً من شبح الإنفلونزا. العالم الذي كان قرية صغيرة، يتمدد ليصنع سلاح المسافة، سلاحه البدائي الوحيد. سلاح المسافة الذي يسنه بالوحدة ويبرده بالعزلة ويصقله بالبعد عن الغرباء. فقد تكسرت الأسلحة التقليدية في أيدي المحاربين الشجعان، وتوقفت الحياة في الخارج سوى حركة الريح والطيور المهاجرة.

الناس تمترست في البيوت، والمدن تمترست في الضواحي، والدول تمترست في المدن والقرى. فكل الذين يقيسون نبض الشارع توقفوا، وكل الذين يقلمون أظافر الوقت بالعمل توقفوا، وكل الذين يصنعون الحلم في صناديق صغيرة توقفوا.

مئة عام منذ حرب الإنفلونزا العالمية الأولى، لم تستفد البشرية من الدرس بعد. الدبابة التي تعبر الحدود ليلاً لا تشفي مريضاً، والطائرة التي تخترق حاجز الصوت خفية بين الغيوم لا تطعم طفلاً. والدواء الذي لا يصل إلى محتاجه رصاصة تطلقها على نفسك، والطفلة التي لا تدخل المدرسة لغم تزرعه في الطريق إلى التنمية.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات