عولمة كورونا

مشاري النعيم

مشاري النعيم

نشر في: آخر تحديث:

لماذا يعتقد كثير من الناس أن العالم سوف يتغير بعد كورونا؟ وأنا أكتب هذا المقال كانت هناك ندوة حول "عالم ما بعد كورنا" تنظمها جامعة الملك عبدالله للعلوم والتقنية بمشاركة ملتقى أسبار، ويشارك فيها ثلاثة خبراء دوليين، كما أنني في ظهيرة نفس اليوم (الخميس الفائت) قرأت مقالاً حول الأرض والطبيعة بعد كورونا، وكيف أن العالم سوف ينقسم إلى قبيلتين إحداها سوف تهتم بالمحافظة على الطبيعة وسوف تتعلم من الإجازة التي تنفستها الأرض مع توقف النشاط البشري تقريباً خلال هذه الفترة، والقبيلة الأخرى سوف تستمر في تدميرها المنظم لهذه الطبيعة، ولن تكترث للدروس الكثيرة التي نعيشها هذه الأيام. بالنسبة لي أرى أن الطبيعة البشرية جبلت على عدم التعلم من الدروس الكبيرة، وبصيغة أخرى أن البشر لديهم خاصية النسيان ليس بالضرورة النسيان مباشرة، ولكن الجيل الذي سيأتي بعد ذلك ولم يعش تجربة كورونا لن يكترث بكل الحكايات التي ستحكى له عن هذه الأزمة التي تكاد تقصف بكل المكتسبات البشرية.

ويبدو أن فكرة التغير التي نعتقد أنها ستحدث في العالم، حتى أن البعض بدأ يهيئ نفسه لعالم جديد كلياً، وينسج في مخيلته صورًا واهمه لهذا العالم، لن تكون بنفس القدر الذي نتصوره. قد يمس التغيير الاقتصاد، وقد يغير الكثير من مفاهيم التخطيط العمراني المرتبطة بفكرة الاكتفاء الذاتي للأحياء السكنية خصوصاً بعد العزل، وبروز الحاجة إلى أن تكون الأحياء ذات استقلالية من حيث التموين والخدمات الصحية، وربما يعيد حسابات كثيرة مرتبطة بفلسفة التعليم التي قد تتيح مساحات جديدة من المرونة. ربما يغير كورونا موازين القوى السياسية ويعيد الحسابات في جدوى التكتلات والتجمعات الدولية، لكن كل هذه التغييرات ستكون جزءاً من الدروس المباشرة التي سرعان ما ستندمج ضمن نمط الحياة الطبيعية التي سرعان ما ستتناسى الصعوبات التي مر بها العالم، وتبدأ من جديد في تقديم المصالح الاقتصادية على أي شيء آخر.

من دون شك الوباء بين أكثر من أي وقت مضى أننا نعيش في قرية أرضية صغيرة، وأن ما يحدث في مكان ما على وجه هذه الأرض لن تكون بقية الأمكنة بمنأى عنه. ربما أكثر الدروس المستفادة من هذه الأزمة هو تعزيز مفهوم "العولمة"، رغم أن العالم أثبت أنه أناني بشدة فقد انكفأت الدول على نفسها، وصارت تفكر فقط كيف تنقذ نفسها من دون الالتفات لأقرب الأصدقاء إلا من رحم ربي. أذن العالم المشدود بين القرية الكونية، وبين الدولة الوطنية ذات الحدود المحمية سيكون محوراً مهماً للجدل القادم. فهل سيغير هذا الجدل من الفكر الأناني المضطرب الذي جعل من بعض الدول الكبرى لا تتحرك مبكراً لوأد الوباء في مهده فابتليت به أكثر من غيرها؟ أم أنه سيكرّس الانكفاء على الدولة الوطنية التي قد تجعل العالم يواجه كوارث مماثلة وربما أشد في المستقبل؟.

السبب الذي يجعلني أشعر بأن التغيير لن يمس جوانب إنسانية وثقافية وسياسية مهمة هو التركيز الكبير على الجانب الاقتصادي حتى أن بعض الكتاب نادى بأهمية رفع الحظر عن المؤسسات الصغيرة، والمتوسطة التي تشكل عصب الاقتصاد في دول كثيرة، وأن تعطُّل هذه المؤسسات سيؤدي إلى خسارة الكثيرين لوظائفهم. ربما يمس التغيير في المستقبل هيكلة هذه المؤسسات وجعلها أكثر قدرة على مواجهة الأزمات. قد تكون هذه المسألة أحد القضايا الملحة بعد كورونا. كما يفترض أن يمس التغيير المفاهيم الأصيلة للأمن الغذائي بحيث تصبح الدول أكثر وعياً لتحقيق الاكتفاء الذاتي في حده الأدنى وقت الأزمات. ومع ذلك يجب أن أقول إنني لست متفائلاً أن يحدث مثل هذا التغيير لأنه يتطلب تغييراً جذرياً في التفكير الاستراتيجي على مستوى الدول.

دعوني أقول: إن "العولمة الجديدة" التي صنعها كورونا تمثل منعطفاً حضارياً دون أدنى شك لكنني لست على يقين أن هذه العولمة ستغير عمل الدول، وعلاقاتها مع بعضها البعض، بل إنني أكثر شك مما قبل في بقاء المؤسسات الدولية بفاعليتها السابقة بعد أن أثبتت فشلها في هذه الأزمة. التغيير آت لا محالة وهذا التغيير ليس بالضرورة أن يكون داعماً للتعاون الدولي، وبناء تحالفات دولية لمواجهة الأوبئة والكوارث، بل قد يكون تغييرًا إلى الوراء يدعو للعزلة الوطنية، والعمل على بناء النظم الصحية والاقتصادية والتعليمية داخل الدول ذاتها، ولا يمكن أن نلوم أحداً على هذا التوجه بعد أن أثبتت الأزمة أنه لا مكان مثل الوطن ولا حاضن مثل الأهل.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.