ديكتاتورية الوباء

محمد الحمزة

نشر في: آخر تحديث:

الديكتاتورية" ليست للتعريف وإنما للتذكير فقط، هي حكم مطلق تنحصر السلطة في يد شخص واحد، تغيب فيه المؤسسات، وهي سيطرة مركزية مطلقة على كل مظاهر الحياة، وعند الرومان الديكتاتور في الأصل هو منصب سياسي ولقب كان يعد محترما، يوليه مجلس الشيوخ في حالة الطوارئ لقاضٍ حتى يدبر شؤون الجمهورية الرومانية لمدة لا تتجاوز ستة أشهر، وهو إجراء ثم إبطاله بعد اغتيال الإمبراطور (يوليوس قيصر).
وباء كورونا في العصر الحديث أبان عن علو كعبه في ترهيب وتهديد وإذلال العالم، وبفعل هذا الفزع تحكم في الإعلام، وفرض لنفسه دعاية، وروج لها في أنحاء المعمورة، وأحكم قبضته على الجماهير، وأصبح ذا سلطة ومهابة، فرض الحظر، وأَمْلى قانونه، وأخضع البشر، واستحقر الإنسان وطوع غروره، إنه ديكتاتور بلا رحمة وبلا هوادة، لا ترصده العين حتى تكتشف فتكه وبطشه وقسوته، فأصبحت الجماهير تهابه وتخشى على أعناقها من سيفه وكأنه الحجاج يهدد ويتوعد.
ما فرضته ديكتاتورية كائن مجهري من طاعة وامتثال للأمر والنهي والقانون عجزت عن تحقيقه الأمم المتحدة ومجلس الأمن ومنظمة السلام الأخضر والدول العظمى مجتمعة، فلأول مرة يسمح للكرة الأرضية بقسط من الراحة، وبالتنفس تحت وطأة ساكنة أوشكت على 8 مليارات نسمة، أول مرة نعاين مؤشرات غير مسبوقة في تراجع الانبعاثات الغازية الملوثة والمرتبطة بما يعرف بـ(الاحتباس الحراري)، أول مرة تُظْهِر الأقمار الاصطناعية تدني نسب التلوث في سماء البلدان كما لم يحدث منذ 70 سنة حسب الخبراء.
العالم في حرب مع الوباء، وما يشغله اليوم - على ما يبدو - هي معركة الكمامات، والمعدات والتوصيات، لكن بالموازاة.. هل أفسحنا المجال بما يكفي لنقاش الأسباب والمسببات حتى نغير السلوك، وحتى لا نتمادى في (صنع) أوبئة ربما أشد فتكا؟ وتفادي أسوأ سيناريوهات الطوارئ المناخية والتي تحيلنا مباشرة على الطارئ الصحي الذي يعد الإنسان هدفه الأخير، حتى لا أقول ضحيته الأولى، وكل الشعوب ودولها تقاوم انتشار هذا الوباء، يعيش العالم نقاشات علمية جديدة تتعلق بنظرية تطور الأجناس الحية وأصل الأنواع، بما في ذلك الإنسان، وجدال عقلاني مستمر في شأن الانتقاء الطبيعي للكائنات الحية (انتقاء الأفضل والأنسب)، وحدوث الطفرات الجينية والتغيرات التي تصيب الجينوم بصفة عامة.
اليوم ونحن قابعون في منازلنا، نشعر بأننا نتنفس أفضل، استراحة قصيرة غيرت وجه العالم، ومكنت الطبيعة من استعادة سكونها وهدوئها، وقد علق أحد المفكرين قائلا: "الديكتاتور فرد بين البشر، وليس بشرا في فرد" فهل يصح هذا القول على ديكتاتورية الوباء؟.

نقلا عن الرياض

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.