الفكر العربي.. وأزمة الخيار الحضاري

عبدالله الزازان

عبدالله الزازان

نشر في: آخر تحديث:

أجد في نموذجنا اليوم رؤية 2030، كرؤية واقعية وحضارية وإنسانية، فكرة التكامل ما بين الثوابت والحياة المدنية الحديثة التي جسدت النضج والوعي والتطور والمستقبل المنظور، ونقلتنا إلى عصر حضاري جديد..

في الثلاثينات الميلادية شغلت قضية ما يعرف بالنهضة العربية قادة الفكر العربي وقد تناولوها من جوانب مختلفة. فمنهم من نظر لها من زاوية حضارية ومنهم من تناولها من واقع فكري ومنهم من تطرق لها من ناحية تطبيقية أو صناعية ومنهم من سلك سبيل الاجتماعيين أو النظريين في رصد القضية.

وبرغم أن ما يعرف بالنهضة العربية موضوع كبير ومتداخل إلا أنه تركز في دراسة أسباب التقدم الأوروبي وتأخر المجتمعات العربية وقد تصدى له -في دراسات استقصائية تحليلية- بعض الدارسين في أوروبا ومن بينهم د. طه حسين الذي نظر إلى أوروبا كمستودع للمدنية الحديثة معتبرًا الحضارة الأوروبية أرقى حضارات العالم، وقد تناول تلك الأفكار في كتابه (مستقبل الثقافة في مصر) الذي نشره عام 1938م بعد عودته من فرنسا والذي يرى من خلاله أن أوروبا تمثل العالم الحديث وأن على قاهرة الثلاثينات أن تصبح جزءاً من أوروبا لتصبح جزءاً من العالم الحديث، ولم تلق هذه الأطروحة رواجًا إذ لم تكن مصر تعاني أزمة خيار حضاري باعتبارها دولة عربية مسلمة وجزءا أصيلاً من الحضارة العربية الإسلامية.

وقد اعتبر المفكر اللبناني د. ألبرت حوراني في كتابه (الفكر العربي في عصر النهضة) 1798 -1939 القرن التاسع عشر بدء عناية المفكرين العرب بدراسة وتحليل عصر النهضة الأوروبي وانجذاب بعض قادة الفكر العربي الذين قضوا شطرًا من حياتهم في أوروبا إلى العالم الأوروبي الجديد واتباع الثقافة الأوروبية كحل لأزمة الخيار الحضاري. والذي نظر إليه د. محمد عابد الجابري على أنه اختلال في فهم معنى الاستقلال عند بعض قادة الرأي والذي ألمح إليه في كتابه (إشكاليات الفكر العربي المعاصر)، وإن كان ذلك يرتبط ذهنيًا بمرحلة الثلاثينيات الميلادية إذ لم يعد هو التوجه الغالب في الفكر العربي اليوم.

ويرجع د. الجابري سبب انبهار بعض المفكرين بالنموذج الحضاري الأوروبي إلى أنه النموذج الحضاري الجديد الذي يقوم على جملة من المقومات الحضارية التي لم تكن موجودة في النماذج الحضارية السابقة له كالعلم والتقنية والصناعة ويراه وجهاً حداثياً وبراقاً، ولكن هنالك وجه آخر مغاير تمامًا للوجه الأول وهو الوجه الاستعماري والذي يقوم على الاحتكار والهيمنة وهو نموذج لم يقدم نفسه في صورة واحدة بل يحمل مظهرين متناقضين مظهر يمثل الهيمنة ومظهر يمثل الحداثة (وهذا كلام قديم يعود إلى أوائل القرن الماضي ولم يعد هو التوجه على العقلية الثقافية) اليوم في المجتمع العربي.

فعندما ننظر إلى الحقائق بمنظور علمي ومنهجي ومحايد هدفه الوصول إلى الحقيقة علينا أن ننظر أن الطريقة الحضارية واحدة فمعروف أنه خلال دورات الحضارات المختلفة تأخذ حضارة عن أخرى ومجتمع عن آخر ثم يأتي دور تكون فيه الآخذة معطية فالتقنية مثلًا كثمرة للعلم الرياضي والتجريبي والمختبري والطبيعي هي تراث للبشرية باختلاف أجناسها ومعتقداتها لا يستأثر بها مجتمع دون آخر أو حضارة دون أخرى فالتقنية مجموعة وسائل محايدة يستطيع كل مجتمع أن يخضعها للاستخدام الذي يريده أما المعرفة فإنها عالمية فليست هنالك مثلًا معرفة يابانية أو أميركية أو عربية.

وفي حالة الاقتباس من حضارة أخرى أو نموذج ثقافي آخر فإنه يمكن إيجاد علاقة إبداعية تبادلية في الجمع ما بين أحسن ما في النموذج العربي الإسلامي وأحسن ما في النموذج الآخر سواء أكان آسيويًا أو أوروبيًا، والنظر إلى كل نموذج على أنه نتاج حضاري وإنساني ونهضوي، وعند ذلك يكون انخراطناً في العصر على أسس حضارية وإنسانية ومستقبلية، ولذلك يجب إعادة بناء الذات العربية بالشكل الذي يحقق قوة التراث وقوة المعاصرة معًا وذلك بالحفاظ على الثوابت والانفتاح على الوعي الإنساني والمدنية الحديثة في خط حضاري واحد متصاعد يوحد نظرتنا للواقع لأنه لا يمكننا أن نصل إلى المستقبل ما لم نبدأ طريقنا من الماضي.

وإن كنت أجد في نموذجنا اليوم رؤية 2030، كرؤية واقعية وحضارية وإنسانية، فكرة التكامل ما بين الثوابت والحياة المدنية الحديثة التي جسدت النضج والوعي والتطور والمستقبل المنظور ونقلتنا إلى عصر حضاري جديد.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.