كورونا وحي العشرين دقيقة

سليمان الرويشد

نشر في: آخر تحديث:

واضح أن تطبيق استراتيجية التباعد الاجتماعي كان له أثره الذي لا ينكر في الحد من تفشي جائحة كورونا المستجد، بالرغم من الصعوبات امام التطبيق التام لهذه الاستراتيجية، التي من أبرزها التركز السكاني في بعض المدن مثل الرياض وجدة ومكة المكرمة، حيث نرى أثر ذلك في اعداد الإصابات اليومية بالوباء في هذه المدن المكتظة بالسكان، مقارنة بمن هي اقل منها في الحجم والكثافة السكانية، وهو أمر متوقع في مجتمع يتركز أكثر من ثمانين في المئة من سكانه بمناطق حضرية تغطي اثنين بالمئة من مساحته.

إن العيش في المدن كما لا يخفى على الجميع الغرض منه في الأساس هو تبادل المنفعة بين الناس، فساكن المدينة يقدم من خلال عمله في مجال معين خدمة للآخرين، ويحصل على مقابل جراء تقديم هذه الخدمة، وهو في ذات الوقت ينشد الحصول على الخدمات المقدمة بمقابل من سكان المدينة الآخرين، سواء كانت هذه الخدمات صحية أو تعليمية أو تجارية أو خلافها. ومع كبر هذه المدينة تتسع وتتشعب وتتعقد دائرة هذا التبادل للمنفعة بين سكانها، فيزداد التقارب الاجتماعي فيما بينهم. من هذا المنطلق ولغرض التقليل من نطاق دائرة هذا التقارب وتبادل المنفعة بين الناس، وخاصة ما يلقيه من عبء على شبكة النقل والمواصلات وبالذات في المدن الكبرى ظهرت فكرة ما يسمى بـ(حي العشرين دقيقة) تلك الفكرة التي تقوم على مبدأ تيسير حصول الساكن في الأحياء التي تتألف منها المدينة على الخدمات اليومية التي يحتاجها، الصحية والتعليمية والتموينية والاجتماعية والترفيهية حتى ومقر العمل ــ إن أمكن ــ وغيرها من الخدمات في نطاق العشرين دقيقة ــ سيراً على الاقدام ــ من مقر سكنة، وبالتالي العمل على تقليل إن لم يكن الحد من انتقاله وحركته خارج نطاق هذه الدائرة نتيجة توفر هذه الخدمات اليومية ضمن حدودها.

ما اتمناه هو أن تتيح الظروف للجائحة الحالية التي نمر بها حالياً فرصة إعادة ترتيب الأحياء السكنية في مدننا، التي اعتقد أن معظمها مهيأ لذلك، من مبدأ فكرة (حي العشرين دقيقة) التي تبنت تطبيقها عدد من المدن الكبرى بالعالم. تشمل على الأقل الخدمات الصحية لتيسير عمل الاختبارات الجماعية ومراقبة الوباء والكشف المبكر والاستجابة السريعة لمواجهته في تلك الاحياء، إضافة لتسهيل الحصول على الخدمات التموينية وممارسة رياضة المشي الضرورية بدنياً ونفسياً في الوقت الحاضر، لتتوالى بعدها الخدمات الأخرى عوضاً عن استنزاف جهودنا فقط في إعادة السفلتة وردم الحفر وإصلاح أعمدة الانارة بشوارع تلك الاحياء.

* نقلا عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.