عاجل

البث المباشر

أطفالنا في خطر

ارتفع صوت الطفل ذي الثلاث سنوات وهو ينهر الخادمة، ابتعدَتْ عنه، ربما بناء على طلبه، لم يكتف بذلك، نزل من أرجوحته وضربها على فخذها الأيمن ثم عاد غاضباً إلى الأرجوحة مرة أخرى، يبدو أنها لم تكن المرة الأولى، ذلك أنه أدى الدور دون تكلف، ابتعدت الخادمة وجلست على كرسي الحديقة المقابل للكرسي الذي تجلس عليه أمه المشغولة بقراءة الرسائل التي تصلها تباعاً على هاتفها المحمول، ربما لم تنتبه لما قام به الطفل، أو أنه لا يعنيها ما ظلت الخادمة لم تشتكِ، والطفل لم يطلب المساعدة، رأيت الخادمة تمسح دمعة حائرة على خدها، لا أدري هل هو إحساس بالمهانة، أم تذكرت أطفالها الذين يعاملونها بلطف ومحبة؟

الخطر الثاني الذي يحاصر كل طفل ويخنق مواهبه ويجلب له الكسل والسمنة وسرعة الغضب واضطراب التواصل الاجتماعي هو الهاتف المحمول واللوح الإلكتروني الذي أصبح في متناول أكثر الأطفال، بل أصبح ملهاتهم الأولى، بعضهم يحصل عليه من الخادمة حتى تتقي شقاوته أو طلباته المتكررة، وبعضهم يأخذ هاتف والدته، وقد لاحظت أنه حين يعم المكان السكون والصمت يكون في يد الطفل جهاز إلكتروني محمول.

لو فتشت هواتفنا ومنها هاتف تلك الأم في حديقة الحي لوجدت آلاف الرسائل التي تتحدث عن الأخلاق وحسن التربية، ولوجدت كماً هائلاً من المواعظ والأحاديث والآيات والفتاوى ومقاطع الفيديو بشقيها المضحك والمحزن، لكن ذلك كله للقراءة والتسلية فقط، أما التربية فبحاجة إلى أكثر من ذلك بكثير، الطفل بحاجة إلى قدوة وتعليم وتدريب ومراقبة، وتكرار الفعل حتى تصبح عادة.

يقول زميلي الذي ابتعث لبريطانيا قبل أكثر من خمسين عاماً: سكنت وزميلي عند سيدة كبيرة علمتنا خلال أشهر ما لم نتعلمه في بيوتنا ومدارسنا على مدى ثمانية عشر عاماً، تصرّ تلك السيدة على أن نضع كل شيء في مكانه، وأن نقتصد في الماء والكهرباء، ولا تسمح بوجود بقايا من الأكل في صحوننا، كما أنها لا تلبي لنا طلباً إلا إذا كان مسبوقاً بكلمة "لو سمحت" حتى ولو كان الطلب أن تناولنا علبة الملح التي بجانبها على طاولة الطعام، ولا تسمح لأي منا بالانصراف حين تقدم لنا الخدمة إلا بعد أن تسمع كلمة "شكراً"، وإذا لم تسمع هذه الكلمة السحرية فلن تعطينا شيئاً. كانت تكرر هذه الدروس حتى استوعبناها تماماً وبقيت معنا حتى يومنا هذا.

استضفت في مزرعتي قبل ثلاث سنوات أسرة من نيوزيلندا معها طفلان في سنّ السابعة والتاسعة، وعلى مدى أربع وعشرين ساعة، ولم يكن مع أي منهما جهاز محمول، بل كانا يلعبان ويكتشفان طول الوقت، ولم يكن مع الأسرة خادمة رغم قدرتها المادية على ذلك.

اليابان تعد مثالاً لحسن تربية الأطفال؛ ذلك أنها تربية متوارثة من الجدات إلى الأمهات، وفي رياض الأطفال لا يهتمون كثيراً بتعلم مهارات القراءة والكتابة بقدر تركيزهم على تعليمهم السلوك الحضاري، ومنه الاحترام والتعاون والأمانة والنظافة، حيث يقومون بتنظيف فصولهم بصفة يومية.

هذا الطفل الذي نهر الخادمة وضربها دون أن ينكر عليه أحد سيظن أن هذا هو التصرف الصحيح، وسيحتل هذا السلوك مكانه المناسب في تلافيف مخه الصغير، وسيكبر معه ويكون مرجعه في التعامل مع إخوته وزملائه وزميلاته في المدرسة والعمل.

تربية جيل المستقبل على الوجه الصحيح، وإعداده لما يتطلبه العمل من جهد ومهارات بحاجة إلى جهود مشتركة من البيت والمدرسة، وعليه أقترح الآتي:

أولاً- أن تتولى وزارة التعليم إعداد مشروع وطني يضعه مختصون في التربية وعلم الاجتماع والإعلام والبيئة وغيرها من التخصصات لتحديد ما يعانيه أطفالنا نتيجة إفرازات الطفرة المادية، وما جلبته من خدم وسائقين، وما أنتجته التقنية من أجهزة وملهيات، وما تأثير ذلك على صحتهم ونموهم؟ ومن ثم وضع الحلول والبرامج المناسبة لترسيخ أصول التربية الصحيحة التي تضمن لهم النمو الصحيح، وإعداد جيل مميز يعكس مكانة المملكة وطيبة أهلها وحسن تعاملهم مع بعضهم ومع الزائر والمقيم.

ثانياً- جعل التعليم المبكر (ما قبل الابتدائي) إلزامياً ومتاحاً للجميع، وجعله شرطاً لدخول المرحلة الابتدائية وربطه ببرامج التنمية الأخرى كالضمان الاجتماعي، مع التركيز فيه على تعلم السلوك الحضاري وتهذيب الأخلاق والتعاون والاحترام والنظافة، وجعل ذلك ممارسة يومية وقبل تعليمهم المهارات الأخرى من قراءة وكتابة وغيرهما.

السنوات الست الأولى من عمر الطفل هي الأكثر تأثيراً، والأخطر على التربية وعلى مستقبل الوطن بشكل عام، ومن الخطورة أن تترك هذه المهمة العظيمة لخادمة غير متعلمة، أو تركها لوالدين يعتقدان أن مهمتهما الإنجاب وتأمين الأساسيات فقط.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات