عاجل

البث المباشر

عبدالله الزازان

<p>كاتب سعودي</p>

كاتب سعودي

أميركا.. التعددية الثقافية.. التسويات المعقدة والمآلات

رغم أن الثقافة الأميركية تعاملت مع الأقليات من خلال التعددية الثقافية إلا أن هذه التعددية تفتقر إلى التسامح، فاندماج أي أقلية ليس هدية من قبل الأغلبية وإنما يحدث بعد كفاح طويل ومضنٍ..

منذ وطأت قدماي مطار جون أف كينيدي بنيويورك إلى أمد ليس بالقصير كنت حائرًا أمام فلسفة العقلية الأميركية وتداخلاتها.. لقد أمضيت فترة طويلة في محاولة لقراءة العقلية الأميركية وإدراك أطوارها وكيف تفكر.. إذ ليس من اليسير إدراك هذه الذهنية والتعامل معها حسب الرؤية الأميركية البرجماتية.

فالأميركي بصورة عامة يسير على نمط من الحياة مختلف كثيرًا عن الآخرين في تفكيره وسلوكه وأوضاعه الاجتماعية وقيمه ونظرته إلى نفسه ونظرته إلى الحياة، لقد أدركت أنني داخل بيئة ثقافية جديدة وأن بعض ما لدي يتناقض مع هذه البيئة الثقافية.. وإن كنت في نفس الوقت لست ملزمًا بأن أنتهج سبيل أية ثقافة إذ إنني أتمتع بحقي في الاختيار إلا أنني بالطبع أعلم أنني داخل ثقافة قوية وسائدة.

فعندما تتداخل مع تجربة حياتية جديد فإنك تحتاج الى أن تمنح نفسك وقتاً لتدرك إيجابيات هذه التجربة إذ إن ما كان جديدًا مع الوقت يصبح شيئًا مألوفًا.. فالسبيل الوحيد أن ندرب أذهاننا على استقبال الأفكار الجديدة إذ لا يمكننا التقليل من قيمة التجارب والأفكار كإضافات فعالة في تعزيز سلوكنا، ولكن علينا قبل ذلك أن نكون قادرين على تحديد الأفكار التي نريدها فعلًا لا يهم في أي مكان نجدها ولكن علينا أن نتحرك باتجاهها.

لم تشدني أشياء كثيرة في الثقافة الأمريكية ولم تكن مقنعة لي.. ولكن كيف يستطيع شخص قادم من خلفية حضارية معينة أن يكيف نفسه على الحياة في بيئة حضارية أخرى تختلف تمامًا عن البيئة التي قدم منها؟ وما العوامل التي تسهم في تسهيل هذا التكيف وتجعله ممكنًا؟

هذه الأسئلة ذات علاقة بمفهوم الثقافة من حيث هو مفهوم نظري ومن حيث هو حقيقة، كما أن هذه الأسئلة والقضية التابعة لها والقضايا المتفرعة عنها ذات أهمية كبيرة في حياة الأشخاص الذين يمارسون الانتقال من بيئة حضارية مختلفة اختلافًا جوهريًا إلى بيئة أخرى سواء أكان هذا الانتقال دائمًا أو مؤقتًا.

سوف أحاول الاقتراب من هذا الموضوع المعقد من خلال الوقوف على واقع المجتمع الأميركي.

يتشكل المجتمع الأميركي من ثقافة سائدة وقوية والمتكونة من البيض البروتستانت الأنجلو - بروتستانت الذين يمثلون الطبقة الوسطى من المجتمع الأميركي، ومن ثقافات جانبية تتمثل في الأقليات التي تتكون من الأفروأميركيين واللاتينيين والآسيويين والمكسيكسين والعرب والأسبان واليهود والكاثوليك.

وبرغم أن الثقافة الأميركية تعاملت مع الأقليات من خلال التعددية الثقافية إلا أن هذه التعددية تفتقر إلى التسامح، فاندماج أي أقلية ليس هدية من قبل الأغلبية وإنما يحدث بعد كفاح طويل ومضنٍ.. ولقد حققت التحولات الثقافية والسياسية التي مر بها المجتمع الأميركي كحرب فيتنام وثورة الستينات وأفكار اليسار مزيداً من التعددية.. هذا من جانب، ومن جانب آخر فإن حالة التأقلم الاجتماعي والثقافي لأفراد تلك الثقافات لا تتم إلا من خلال التجانس الداخلي مع خصائص الثقافة السائدة بدلًا من هوياتهم السابقة واتخاذ ثقافة الأغلبية ثقافة لهم ومنحهم سمة القبول.. وقد أحرز الأفروأميركيين تقدمًا كبيرًا بعد أن انتزعوا هذا التقدم من خلال حركة الحقوق المدنية التي تزعمها د. مارتن لوثر كنج، وقد يكون نمو النفوذ اليهودي في أميركا قلل من درجة الهامشية وأصبحوا ينالون تشخيصًا إيجابيًا في المجتمع الأميركي ونفس الشيء حدث مع الكاثوليك.

أما العرب فقد بدؤوا تصحيح واقعهم من خلال الجمعيات العربية الأميركية حيث تقوم بدور فاعل على المسرح الثقافي الأميركي منافحة عن قضايا العرب فقد شهدت العقود الماضية تطورًا واضحًا في حركة الجمعيات العربية الأميركية ويأتي في مقدمة تلك الجمعيات (الجمعية العربية الأميركية لمكافحة التمييز العنصري)، (والجمعية الوطنية للعرب الأميركيين)، (ومجلس الشؤون العربية الأميركية)، (ورابطة خريجي الجامعات الأميركية العربية).. فهذا الوجود العربي من خلال الجمعيات أو المؤسسات الدبلوماسية له وجود فعال سواء على المستوى الاجتماعي أو البرلماني أو الدبلوماسي.

* نقلا عن "الرياض"

** جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.

إعلانات