السياحة الخضراء

عبدالله السعدون

نشر في: آخر تحديث:

يقول أحد الأصدقاء من دولة عربية: بعثت بمقطع من فيلم صورته أثناء إجازتي وأسرتي في جنوب المملكة إلى قريبي في دولة الإمارات العربية المتحدة الذي بدوره عرضها على زملائه من الإمارات، أحدهم قال: لا بد أنها من سويسرا، الثاني قال: من النمسا، ثم أردف هذا الصديق: لديكم بلد آمن ومتنوع في طبيعته ويضاهي في جماله أجمل البلدان، لكن ينقصه أهم متطلبات السائح وعلى الأخص المطاعم النظيفة والسكن المناسب.

جائحة كورونا غيرت العادات التي كانت من المسلمات في المجتمع، ومنها عادة الكثير منا وهي السفر في الصيف إلى خارج المملكة سنوياً، كما توقفت الكثير من الأنشطة التجارية والخدمات، وتسببت في فقدان ملايين الوظائف على مستوى العالم، لكن الإنسان بما لديه من قدرة على التأقلم يستطيع أن يعوض كل ما خسره من وظائف إلى ما هو أفضل، وفي دراسة جديدة للمنتدى الاقتصادي العالمي أن الحلول "الإيجابية على الطبيعة" يمكن أن تخلق 395 مليون وظيفة بحلول عام 2030 كما هو منشور في جريدة الشرق الأوسط قبل أسبوع. ويوضح التقرير أنه يمكن استخدام التقنية لزيادة المحاصيل الزراعية والخروج بحلول إيجابية على الطبيعة، فقد أدت الزراعة الذكية في إندونيسيا وباستخدام أجهزة الاستشعار وصور الأقمار الصناعية التي أصبحت متوفرة للجميع إلى تحسين غلة المحاصيل بنسبة 60 %. أما في فيتنام فشهد سكان المجتمعات الساحلية زيادة مدخولاتهم بمقدار أكثر من الضعف، بعد ترميم أشجار المنجروف بالغة الأهمية.

المملكة وحسب رؤيتها 2030 تتوجه بقوة لتصبح واحدة من أهم دول العالم في مجال السياحة لوجود مقوماتها الدينية والبيئية والرياضية والآثار، ومع هذا التوجه تتضح الفرص الكثيرة التي لن تخلق مئات الألوف من الوظائف فقط، لكنها ستجعل المملكة في مقدمة دول العالم في الحفاظ على البيئة النظيفة ومعها تتحسن الصحة البدنية والنفسية، ومن الخطوات التي ستسهم في تعزيز السياحة مع الحفاظ على البيئة النظيفة ما يلي:

أولاً. 80 % من السياحة في العالم تتجه إلى المناطق الساحلية، وفي المملكة شواطئ تمتد لمسافة 3400 كم على البحر الأحمر والخليج العربي، وسواحل الخليج هي الأقرب لمدينة الرياض وميناء العقير على الخليج العربي وله تاريخه المشرف حيث اتخذه الملك عبدالعزيز مقراً للمفاوضات مع الحكومة البريطانية، لا يبعد عن العاصمة ذات الكثافة السكانية سوى 330 كم، وسواحل الخليج جميلة وأكثرها رملي لكنها بحاجة إلى التشجير وخاصة شجر المانجروف الذي دمر أكثره بسبب التوسع العمراني والصناعي وعمليات الردم على حساب البيئة البحرية، وشجرة المانجروف من أكثر الأشجار فائدة للبيئة وامتصاص الكربون وفيها تتكاثر الأسماك ومنها يتغذى الحيوان، وتعد مصدات مثالية لحماية الشواطئ من التجريف وحماية الشعب المرجانية. وهو ما يعني ضرورة العناية بها وإكثارها في كل من البحر الأحمر والخليج العربي.

ثانياً. جنوب المملكة يضاهي في جماله واعتدال جوه في الصيف وكثرة أمطاره أجمل مناطق العالم، وهو كما ذكر صاحبنا بحاجة إلى المكونات الأساسية للسياحة ومنها مراكز التسوق ودور السينما ومدن الألعاب، ومسارات المشي كما هو في معظم المناطق الجبلية في العالم والتي يمكن أن تجلب الرياضيين من داخل المملكة وخارجها وعلى مدار العام، وهذه المسارات يمكن أن تخلق آلاف الوظائف لأهل القرى التي تمر بها كالمسكن والمأكل والحوانيت الصغيرة.

ثالثاً. تمتاز المنطقة الوسطى والشمالية بأودية كثيرة وواحات يمكن أن تحول إلى محميات ومتنزهات على غرار متنزه الثمامة الذي يمتلئ بالمخيمات في فصل الشتاء والربيع، لكن هذه الأودية بحاجة إلى حماية وتسييج ومراقبة، وهذه يمكن أن تصبح مصدر دخل للسكان المحليين بدل الاعتماد على الرعي المدمر للبيئة، كما يمكن أن يربي فيها النحل، وتتكاثر فيها الحياة الفطرية.

التحدي الذي يمر به العالم هو كيف يمكن أن نعزز الاقتصاد ونخلق المزيد من الوظائف دون أن ندمر البيئة أو نستنزف مكوناتها الأساسية وخصوصاً توفر المياه، والحفاظ على شواطئ البحار نظيفة ومياهها غير ملوثة، وتخليص البيئة من النفايات الضارة بإعادة تدويرها، علينا أن ننظر إلى الطبيعة على أنها مصدر خير وبركة، وأنها من أهم أسس تحقيق الصحة والرفاهية للمجتمع.

نقلاً عن "الرياض"

تنويه: جميع المقالات المنشورة تمثل رأي كتابها فقط.